فإن استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، هو صنعة الفقهاء وهذا العمل ليس من السهولة واليسر، بل إن جمع الأدلة، ثم الحكم عليها صحة وضعفًا إن كانت ظنية الثبوت ثم محاولة الجمع والتوفيق بينها إن كان ظاهرها التعارض ومعرفة الناسخ والمنسوخ والترجيح بينها، عملٌ يحتاج إلى بصيرة العلماء وقبل ذلك فتح من رب الأرض والسماء ويقول جل شأنه: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79] ، ولذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، إذا سئل عن تفسير آية من كتاب الله قرأ لها مائة تفسير، ثم سجد بين يدي ربه داعيًا، يا معلم آدم وإبراهيم علمني ويا مفهم سليمان فهمني، ومن أسباب التخبط الذي نراه في زماننا - زمن الإحن والمحن - هو أن البعض يقف على دليل واحد في المسألة دون أن يجمع الأدلة المتعلقة بها، هذا أولًا، وثانيًا: أنه يفهم النصوص بفهمه لا بفهم السلف فيتبع غير سبيل المؤمنين فيُيضِل ويَضِل، فالقرآن والسنة لا يُفهمان إلا بفهم سلف الأمة، ونقصد بسلف الأمة القرون الثلاثة الأولى التي أثنى عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال (( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ) [1] .
(1) أخرجه البخاري (3378) كتاب المناقب / باب: فضائل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.