الصفحة 124 من 139

كَاللِّصِّ الَّذِي يَسْرِقُ أَمْوَالًا وَيَخْلِطُ بَعْضَهَا بِبَعْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَى أَصْحَابِهَا؛ بَلْ يَقْتَسِمُونَ الْأَمْوَالَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ وَإِنْ جَهِلَ عَيْنَ مَالِ الرَّجُلِ لِكَوْنِهِ بَاعَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَعِوَضُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ. وَمَنْ اكْتَسَبَ بِهَذِهِ الْأَمْوَالِ بِتِجَارَةِ وَنَحْوِهَا فَقِيلَ: الرِّبْحُ لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ. وَقِيلَ لَهُ: إذَا اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ. وَقِيلَ: بَلْ يَتَصَدَّقَانِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ رِبْحٌ خَبِيثٌ. وَقِيلَ: بَلْ يُقَسَّمُ الرِّبْحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ كَالْمُضَارَبَةِ. كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْمَالِ الَّذِي أَقَرَضَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ لِابْنَيْهِ دُونَ الْعَسْكَرِ. وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَهْلُ الْأَمْوَالِ يَقْتَسِمُونَ مَا وَجَدُوهُ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إمَّا عَيْنُ أَمْوَالِهِمْ وَإِمَّا وَفَاءُ دُيُونِهِمْ الثَّابِتَةِ فِي ذِمَّتِهِ؛ بَلْ الْحَقُّ أَنَّ حُقُوقَهُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا بِذِمَّتِهِ وَبِالْأَمْوَالِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْرِفْ مِقْدَارَ مَا غَصَبَهُ وَلَا أَعْيَانَ الْغُرَمَاءِ كُلِّهِمْ: فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ قَدْرَ حَقِّهِ لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ؛ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ قَدْ اتَّجَرَ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي بِيَدِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ حِينَئِذٍ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ حَقِّهِ؛ لَكِنْ يَخَافُ أَنْ تَكُونَ الْأَمْوَالُ الَّتِي بِيَدِهِ تَضِيقُ عَنْ حُقُوقِ جَمِيعِ الْمُسْتَحِقِّينَ لَكِنَّ الْمَجْهُولَ مِنْهُمْ الَّذِي لَا يُعْلَمُ صَارَ كَالْمَعْدُومِ فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَاخُذُ قَدْرَ حَقِّهِ لَهُ. وَلَمْ يَظْلِمْ سَائِر الْغُرَمَاءِ الْمَعْرُوفِينَ لَمْ نَحْكُمْ بِتَحْرِيمِ مَا أَخَذَهُ؛ لَكِنْ إنْ ظَهَرَ فِيمَا بَعْدُ غُرَمَاءُ وَلَهُمْ قِسْطٌ مِنْ مَالِهِ كَانَ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ فَمَنْ اسْتَوْلَى عَلَى الْمَالِ يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَا اسْتَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمَطْعُومَاتُ الَّتِي يُؤْخَذُ عَلَيْهَا الْمَكْسُ وَهِيَ مُضَمَّنَةٌ أَوْ مُحْتَكَرَةٌ هَلْ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ يَشْتَرِي مِنْهَا شَيْئًا وَيَاكُلُ مِنْهَا؟ وَإِنْ عَامَلَ رَجُلٌ لِإِنْسَانِ كُلُّ مَالِهِ حَرَامٌ مِثْلَ ضَامِنِ الْمَكْسِ أَوْ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ سِوَى الْمَكْسِ فَهَلْ يَفْسُقُ بِذَلِكَ.

فَأَجَابَ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ. أَمَّا إذَا كَانَ الرَّجُلُ يَبِيعُ سِلْعَتَهُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِمَا وَظِيفَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي. فَهَذَا لَا يُحَرِّمُ السِّلْعَةَ وَلَا الشِّرَاءَ؛ لَا عَلَى بَائِعِهَا وَلَا عَلَى مُشْتَرِيهَا وَلَا شُبْهَةَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَاخُوذُ بَعْضَ السِّلْعَةِ مِثْلُ أَنْ يَاخُذُوا مِنْ الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ سَوَاقِطَهَا أَوْ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ بَعْضَهَا وَمَنْ ظَنَّ فِي ذَلِكَ شُبْهَةً فَهُوَ مُخْطِئٌ فَإِنَّ هَذَا الْمَالَ الْمَاخُوذَ ظُلْمًا سَوَاءٌ أُخِذَ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي لَا يُوجِبُ وُقُوعَ الشُّبْهَةِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ وَكَمَا لَوْ ظَلَمَ الرَّجُلُ وَأَخَذَ بَعْضَ مَالِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ وُقُوعَ الشُّبْهَةِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ. وَهَذِهِ الْوَظَائِفُ الْمَوْضُوعَةُ بِغَيْرِ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ: مِنْهَا مَا يَكُونُ مَوْضُوعًا عَلَى الْبَائِعِ مِثْلُ سُوقِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِهِ. فَإِذَا بَاعَ سِلْعَتَهُ بِمَالٍ فَأُخِذَ مِنْهُ بَعْضُ ذَلِكَ الثَّمَنِ كَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهُ وَبَاقِي مَالِهِ حَلَالٌ لَهُ وَالْمُشْتَرِي اشْتَرَى بِمَالِهِ وَرُبَّمَا يُزَادُ عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ لِأَجْلِ الْوَظِيفَةِ فَيَكُونُ مِنْهُ زِيَادَةٌ. فَبِأَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ فِيمَا اشْتَرَاهُ شُبْهَةٌ؟ وَإِنْ كَانَتْ الْوَظِيفَةُ تُؤْخَذُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ قَدْ أَدَّى الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ وَالزِّيَادَةُ لِأَجْلِ تِلْكَ الْكُلْفَةِ السُّلْطَانِيَّةِ وَلَا شُبْهَةَ فِي ذَلِكَ؛ لَا عَلَى الْبَائِعِ وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَمْ تُؤْخَذْ إلَّا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ وَالْمُشْتَرِي قَدْ أَدَّى الْوَاجِبَ وَزِيَادَةً. وَإِذَا قِيلَ: هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ ظُلْمٌ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ جَمِيعَ الثَّمَنِ. قِيلَ: هَبْ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ؛ وَلَكِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت