فهرس الكتاب
بِخُوَارِزْمَ لَا يَاكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ وَيَاخُذُ جَوَائِزَهُمْ , فَقِيلَ لَهُ فِيهِ , فَقَالَ: تَقْدِيمُ الطَّعَامِ يَكُونُ إبَاحَةً وَالْمُبَاحُ لَهُ يُتْلِفُهُ عَلَى مِلْكِ الْمُبِيحِ فَيَكُونُ آكِلًا طَعَامَ الظَّالِمِ وَالْجَائِزَةُ تَمْلِيكٌ فَيَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ. ا هـ. قُلْت: وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَرَامَ لَا يَتَعَدَّى إلَى ذِمَّتَيْنِ , وَسَيَاتِي تَحْقِيقُ خِلَافِهِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ (قَوْلُهُ: ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ بِعَيْنِهِ إلَخْ) يُوهِمُ أَنَّهُ قَبْلَ الْخَلْطِ حَرَامٌ لِعَيْنِهِ مَعَ أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّ مَالَ الْغَيْرِ حَرَامٌ لِغَيْرِهِ لَا لِعَيْنِهِ بِخِلَافِ لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَإِنْ كَانَتْ حُرْمَتُهُ قَطْعِيَّةً , إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْحَرَامِ ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْخَلْطِ , وَإِنَّمَا الْحَرَامُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ أَدَاءِ بَدَلِهِ. فَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قُبَيْلَ كِتَابِ الزَّكَاةِ: مَا يَاخُذُهُ مِنْ الْمَالِ ظُلْمًا وَيَخْلِطُهُ بِمَالِهِ وَبِمَالِ مَظْلُومٍ آخَرَ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ وَيَنْقَطِعُ حَقُّ الْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ أَخْذُهُ عِنْدَنَا حَرَامًا مَحْضًا , نَعَمْ لَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ قَبْلَ أَدَاءِ الْبَدَلِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. ا هـ. مَطْلَبٌ اسْتِحْلَالُ الْمَعْصِيَةِ الْقَطْعِيَّةِ كُفْرٌ لَكِنْ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ: اسْتِحْلَالُ الْمَعْصِيَةِ كُفْرٌ إذَا ثَبَتَ كَوْنُهَا مَعْصِيَةً بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ , وَعَلَى هَذَا تَفَرَّعَ مَا ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى مِنْ أَنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ الْحَرَامَ حَلَالًا , فَإِنْ كَانَ حُرْمَتُهُ لِعَيْنِهِ وَقَدْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يَكْفُرُ وَإِلَّا فَلَا بِأَنْ تَكُونَ حُرْمَتُهُ لِغَيْرِهِ أَوْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ. وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحَرَامِ لِعَيْنِهِ وَلِغَيْرِهِ وَقَالَ مَنْ اسْتَحَلَّ حَرَامًا قَدْ عَلِمَ فِي دِينِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام تَحْرِيمَهُ كَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ فَكَافِرٌ. ا هـ. قَالَ شَارِحُهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْغَرْسِ وَهُوَ التَّحْقِيقُ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. ا هـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ شَرْطَ الْكُفْرِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ شَيْئَانِ: قَطْعِيَّةُ الدَّلِيلِ , وَكَوْنُهُ حَرَامًا لِعَيْنِهِ. وَعَلَى الثَّانِي يُشْتَرَطُ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ فَقَطْ وَعَلِمْت تَرْجِيحَهُ , وَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ.
(فُرِضَ) سَنَةَ تِسْعٍ وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ عليه الصلاة والسلام لِعَشْرٍ لِعُذْرٍ مَعَ عِلْمِهِ بِبَقَاءِ حَيَاتِهِ لِيُكْمِلَ التَّبْلِيغَ (مَرَّةً) لِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ وَهُوَ وَاحِدٌ وَالزِّيَارَةُ تَطَوُّعٌ وَقَدْ تَجِبُ كَمَا إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ فَإِنَّهُ كَمَا سَيَجِيءُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَإِنْ اخْتَارَ الْحَجَّ اتَّصَفَ بِالْوُجُوبِ وَقَدْ يَتَّصِفُ بِالْحُرْمَةِ كَالْحَجِّ بِمَالٍ حَرَامٍ , وَبِالْكَرَاهَةِ كَالْحَجِّ بِلَا إذْنٍ مِمَّنْ يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ وَفِي النَّوَازِلِ: لَوْ كَانَ الِابْنُ صَبِيًّا فَلِلْأَبِ مَنْعُهُ حَتَّى يَلْتَحِيَ (عَلَى الْفَوْرِ) فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الثَّانِي وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فَيُفَسَّقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِتَاخِيرِهِ أَيْ سِنِينًا لِأَنَّ تَاخِيرَهُ صَغِيرَةٌ وَبِارْتِكَابِهِ مَرَّةً لَا يُفَسَّقُ إلَّا بِالْإِصْرَارِ بَحْرٌ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْفَوْرِيَّةَ ظَنِّيَّةٌ لِأَنَّ دَلِيلَ الِاحْتِيَاطِ ظَنِّيٌّ , وَلِذَا أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ تَرَاخَى كَانَ أَدَاءً وَإِنْ أَثِمَ بِمَوْتِهِ قَبْلَهُ وَقَالُوا لَوْ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى أَتْلَفَ مَالَهُ وَسِعَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيَحُجَّ وَلَوْ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى وَفَائِهِ وَيُرْجَى أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ , أَيْ لَوْ نَاوِيًا وَفَاءً إذَا قَدَرَ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ لِعُذْرٍ) إمَّا لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ , أَوْ لِخَوْفٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ , أَوْ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ كُرْهِ مُخَالَطَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي نُسُكِهِمْ إذْ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ زَيْلَعِيٌّ. وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِمَا فِي حَاشِيَتِهِ لِلشَّلَبِيِّ عَنْ الْهَدْيِ لِابْنِ الْقَيِّمِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْحَجَّ فُرِضَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ , وَأَنَّ آيَةَ فَرْضِهِ هِيَ قوله تعالى - {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} - وَهِيَ نَزَلَتْ عَامَ الْوُفُودِ أَوَاخِرَ سَنَةِ تِسْعٍ وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُؤَخِّرْ الْحَجَّ بَعْدَ فَرْضِهِ عَامًا وَاحِدًا , وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِهَدْيِهِ وَحَالِهِ صلى