الصفحة 239 من 604

فولاهم ثغرَ قزوين والريّ،وولّى عليهم الربيع بن خُثَيم،وعقد له لواء،وكان أول لواء عقد بالكوفة.

لم يقف الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ موقفَ الصمت إزاءَ ما يحدث بين المسلمين من شقاق ونزاع؛ فقد خرج أبو هريرة وأبو الدرداء لمنع القتال بين المسلمين يوم صفين،وقيل: بل خرج أبو الدرداء وأبو أمامة فدخلا على معاوية،فقالا له: يا معاوية،عَلامَ تقاتل هذا الرجلَ؟ فواللهِ إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاما،وأقرب منك إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وأحقّ بهذا الأمر منك.

فقال: أقاتله على دَمِ عثمان، وأنه آوَى قَتَلَتَه،فاذهبا إليه فقولا له: فلْيُقِدْنَا من قَتَلَةِ عثمان،ثم أنا أولُ مَنْ يبايعه من أهل الشام.

فذهبا إلى عليّ،فقالا له ذلك،فقال: هؤلاءِ الذِينَ تَرَيَانِ، فخرج خلقٌ كثيرٌ فقالوا: كلُّنا قَتَلَةُ عثمان! قال: فرجع أبو الدرداء وأبو أمامة؛ فلم يشهدا لهم حربا.

ومن محاولات الصلح بين الفريقين أيضا أن قراء أهل العراق وقراء أهل الشام من أهل القرآن عسكروا ناحيةً، وكانوا قريبا من ثلاثين ألفا، فجاء جماعة من قراء العراق ـ منهم عَبيدة السلماني وعلقمة بن قيس وعامر بن عبد قيس وعبد الله بن عتبة بن مسعود وغيرهم ـ جاءوا للسعي في الصلح بين الفريقين،لكن الخلاف حول أولوية قَتْل قاتِلي عثمان ـ رضي الله عنه ـ حالَ دون نجاح هذه الجهود المخلصة.

وكان القراءُ يَحجزون بين الفريقين إذا زحف بعضهم إلى بعض،فلا يكون قتال،حتى اشتعلت الحرب بعدما فشلت محاولات الإصلاح.

وبات عليّ ليلتَه كلَّها يعبّئ الناسَ،ويكتّب الكتائبَ،ويدور في الناس يحرضهم ويوصيهم،وبرز معاوية صبح تلك الليلة،يجهز جيشه ويحرضهم،وبايع رجال من أهل الشام على الموت، وكانوا يخرجون ويصفون عشرة صفوف، ويخرج أهل العراق أحد عشر صفا،فتواقفوا على هذه الصفة أولَ يوم من صفر،واقتتلوا فكان أول يوم من أيام القتال في صفين بعد الهدنة.

لما عزم أهل الشام على نُصرة معاوية والقيام معه بطلب الثأر لعثمان،أقبل أبو مسلم الخولاني حتى قدم على معاوية،فدخل في أُناس من العباد،فقال له: يا معاوية،قد بلَغَنا أنك تهمّ بمحاربة علي،فكيف تناوئه وليست لك سابقته؟

فقال لهم معاوية: لست أدّعي أني مثله في الفضل،ولكن هل تعلمون أن عثمان قُتل مظلوما؟ قالوا: بلى.

قال: فلْيَدْفَعْ إلينا قَتَلَتَه،حتى نسلم إليه هذا الأمر.

قال أبو مسلم: فاكتبْ إليه بذلك حتى أنطلق أنا بكتابك،فكتب إليه بذلك.

فسار أبو مسلم بكتابه حتى ورد الكوفة،ودخل على أمير المؤمنين فناوله الكتاب،فقرأه. وقال أبو مسلم: يا أبا الحسن،إنك قد قُمْتَ بأمر وَوَلِيتَه،والله ما نحب أنه لغيرك إنْ أعطيتَ الحقَّ من نفسك؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت