فهرس الكتاب

الصفحة 1217 من 2303

ويطوف ويخرج يده، وكان يعطونه كسرة أو كسرتين، وما كانوا يعرفونه؛ لأنهم لو عرفوه ربما أعطوه مبلغًا من المال، وكان أكثر مقامه بالحجاز.

ورد بغداد غير مرة، فأول ما لقيته بالمدينة، وكنت مدة في طلبه إلى أن سهل الله رؤيته بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وجواره، فاتفق أني سألت عنه فقيل لي إنه يجلس في أكثر الأوقات في الصف الأول (1) ، وكان قد جاور تلك السنة بالمدينة لعمارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بعض الرازية نقد مبلغًا من المال لعمارة المسجد، وكان ينقل الحجارة والطين معهم على سبيل الحسبة، فلما مضيت إلى الموضع الذي يقعد فيه رأيت ثم شابًا، فسألته عن عيسى فقال لي: ليس هو هاهنا وإيش نعمل به وهو يهرب منكم، فجئت إلى القبلة وكنت أنظر إلى الدرابزين الذي في القبلة فرأيت من سقوفها واحدًا قد أخرج جبة من صوف وطرح نفسه عليها في موضع خراب من القبلة، فوقع في نفسي أنه عيسى فقصدته، فقام ولبس الجبة واستقبلي، وأظن أنه كناني بأبي سعد ورحب بي ولم يكن يعرفني قبل ذلك ولا عرفته، ثم قال: كنت السنة هاهنا، وكنت أظن أني أقدر على العمل وأطيق ثقل الحجارة مع هؤلاء الرجال، ما كنت أطيق ذلك فلست أنا بشيء، أنا بطال - وأراد بذلك ستر حاله - ثم قال: أريد أن أخرج إلى عين النبي صلى الله عليه وسلم وأتوضأ، ومضى وتركني.ثم اتفق أني كنت منصرفًا من الحجاز فكنت أمشي بين الجمال عشية من العشاء، وكان واحدًا يزعق لي من وسط الجمال يا با سعد، فنظرت فإذا هو شيخنا عيسى فرأيته راكبًا، وكان عادته أن يمشي ويقطع البادية ماشيًا فقال لي: يا با سعد إن الناس يقولون أن عيسى يقطع البادية على التجريد والتوكل ماشيًا حافيًا، وأنا لا أقدر على ذلك لو لم يركبني هذا الرجل جمله، كنت قد انقطعت ثم غاب عني في وسط الجمال، ولعله أراد أن يقول: لست أنا كما

ـــــــــــــ

(1) في التحفة اللطيفة: الصف الأخير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت