الصفحة 2 من 50

وإن من ملامح ربانية هذا الدين وكونه تنزيلا من رب العالمين ؛ تعامله بواقعية مع طبيعة الإنسان وما جبل عليه من هذا الجدل الغالب في جنسه , فكان أن وجه ربنا تبارك وتعالى إلى الجدل وندب إليه ؛ لكن بقدر الحاجة , وبشكل غير الذي اعتاده الناس وربما مارسوه وعرفوه من مطلق الجدل .

أما الحاجة إليه فهي في الدعوة إلى الدين الحق وإقامة الحجة على الخلق .

والحاجة بشكل أخص مع أولئك الذين يحتاج إليه معهم وليس مع كل أحد ، إذ تسبقه وتتقدمه الحكمة والموعظة الحسنة .

والخالق سبحانه يعلم أن من الناس من يبقى مترددًا , أو متشككًا في الحق الذي جاءت به النبوة الخاتمة , أو أنه يكون معاندًا جاحدًا له ؛ مع وضوح دلائله وصفاء موارده ومصادره , فهذا الذي يدعى بالجدل .

أما شكل هذا الجدل وصفته فهو ليس بالجدل الذي قعد له اليونان , أو مارسه وفق هواه وشهوته أي إنسان , وإنما هو شكل مختلف وإن تشابهت الأشكال , ووصف معين وإن تقاربت الأسماء , إنه باختصار , وكما عبر عنه كتاب ربنا جل شأنه بأوجز لفظ وأجزل عبارة ( بالتي هي أحسن ) , وذلك في قوله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (1) وفي قوله تعالى: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (2) .

وهذا البحث المتواضع هو في هذا الموضوع الدقيق , ويهدف الكاتب فيه إلى محاولة الإسهام في تجلية المفهوم , وبيان المشروعية , والإشارة إلى أبرز الضوابط , وذلك في ثلاثة فصول، شملت تسعة مباحث على النحو الآتي:

الفصل الأول: مفهوم الجدل وتاريخه:

المبحث الأول: الجدل في اللغة .

المبحث الثاني: الجدل في الاصطلاح .

المبحث الثالث: رؤية تحليلية لتاريخ الجدل .

الفصل الثاني: مشروعية المجادلة في مجال الدعوة وأهميتها:

(1) سورة النحل الآية 125.

(2) سورة العنكبوت الآية 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت