فهرس الكتاب
ومن صور الصدع بالحق ، والجهاد بإظهاره ، ما رواه ابن إسحاق في سيرته فقال: كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال: اجتمع يومًا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: والله ماسمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط ، فمن رجل يسمعهموه؟ ، فقال عبد الله بن مسعود: أنا ، فقالوا: إنا نخشاهم عليك ، إنما نريد رجلًا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه . قال: دعوني فإن الله سيمنعني ، قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى ، وقريش في أنديتها ، حتى قام عند المقام ، ثم قرأ: {بِسمِ الله الرّحمَن الرَّحيْمِ} رافعًا بها صوته: {الرّحْمََنُ . عَلّمَ الْقُرْآنَ} ، قال: ثم استقبلها يقرؤها . قال: فتأملوه ، فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أم عبد؟ ، قال: ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ماجاء به محمد . فقاموا إليه ، فجعلوا يضربونه في وجهه ، وجعل يقرأ ، حتى بلغ منها ماشاء الله أن يبلغ . ثم انصرف إلى أصحابه ، وقد أثروا في وجهه ، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك . فقال: ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن . ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدًا ، قالوا: لا ، حسبك ، قد أسمعتهم ما يكرهون [1] .
وهكذا فإن ثبات الصحابة رضي الله عنهم ، وصدعهم بالحق ،وصبرهم على الأذى مع ضعفهم ، وقلة عددهم ، كان سببًا في ازدياد هيبة الدين في نفوس المشركين ، وزيادة عدد المسلمين منهم ، كما كان سببًا في اضطراب صفوف المشركين ، وقهر معنوياتهم ، وإدخال الحزن والألم إلى نفوسهم ، مع رسوخ الإيمان في قلوب المؤمنين ، وتزايد استعدادهم للتضحية والفداء في سبيل إعلاء كلمة الله ، وإظهار دينه على الدين كله ولوكره المشركون .
(1) ابن هشام ـ السيرة النبوية ـ 1/314 .