ولما طال به العهد، وامتدت فترة غيبته أكثر من ثمانين عامًا، وأيسوا من مجيئه تحير أكثرهم ونكص عن الإيمان به. وقد سميت هذه الفترة المضطربة في كتبهم بـ (عصر الحيرة) . لكن قسمًا منهم قال بـ (مهدويته) و (غيبته) ووجوب انتظاره. وأطلقوا عليه لقب (المهدي المنتظر) .
بَيْدَ أن المشكل أن هؤلاء لم يتوقفوا به عند هذا الحد كما توقف القائلون بمثله من أهل السنة الذين لم يتجاوزوا في الاعتقاد به دائرة فروع العقيدة التي يسوغ فيها الاختلاف. حتى أولئك الذين قالوا بتواتر الأحاديث الواردة فيه، هم يعلمون أن هذا التواتر مختلف فيه، فالاعتقاد به واجب على من صحت عنده الأحاديث. أما من لم تصح عندهم فلا وجوب عليهم، ولا حرج في عدم التسليم بالاعتقاد به. والشأن فيه كالشأن في جميع المسائل الفروعية المختلف فيها اعتقاديةً كانت أم عملية. هذا مع عدم تحديد شخصيته.
أما الشيعة الاثنى عشرية فقد زادوا فحددوا شخصه، وسموه باسمه. ولم يكتفوا بهذا حتى جعلوا الاعتقاد به من أصول الدين التي لا يستقيم الإيمان إلا بها: فمن جحده أو أنكره فهو كافر كفرًا أكبر يخرجه من الملة، ويبيح دمه!
ولا شك أن اعتقادًا هذه منزلته، وعقيدة بهذا المستوى من الخطورة لا بد أن نجد لها أصلًا في القرآن منصوصًا عليه صراحة لا تقبل الشبهة أو التأويل. كما هو الشأن في جميع أصول الدين.
فإن كانت هذه العقيدة مصرحًا بها في القرآن العظيم فهي كما هي عند معتنقيها. وإلا فهي - في أحسن أحوالها - ظن يهيم به صاحبه لا يتجاوز حدود الفرعيات.
فإذا طغى به ظنه فاعتقده من ضروريات الدين الواجب اعتقادها على جميع المسلمين فهذا - لعمرو الله - الضلال المبين. لا سيما إذا دفعه ذلك الاعتقاد إلى الاعتداء على حرمات المخالفين، أو اعتقد وجوب ذلك أو جوازه.
وفي هذه الرسالة المختصرة نقاش مستفيض في ضوء نصوص الوحي الكريم ومنهجه الحكيم لهذه العقيدة الخطيرة.