الأرض؛ من عذبِها ومالحها، فخلق منه آدم، ومن ثَمَّ سُمِّي آدم؛ لأنه خلق من الأرض )) .
وفي تفسير غريب لأبي العالية (ت: 93) في تفسيره لقوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (البقرة: من الآية51) قال: (( إنما سُمِّي العجل؛ لأنهم عَجِلُوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى ) ).
وممن له في تفسيره شيء من العناية بهذا الباب مقاتل بن سليمان (ت: 150) ، ومن غريب ما ورد عنه في الاشتقاق قوله: (( تفسير آدم عليه السلام؛ لأنه خُلِق من أديم الأرض، وتفسير حواء؛ لأنها خُلِقت من حيٍّ، وتفسير نوح؛ لأنه ناح على قومه، وتفسير إبراهيم: أبو الأمم، ويقال: أبٌ رحيم، وتفسير إسحاق؛ لضحِك سارَّة، ويعقوب؛ لأنه خرج من بطن أمه قابض على عقب العيص، وتفسير يوسف: زيادة في الحسن، وتفسير يحيى: أحيي من بين ميتين؛ لأنه خرج من بين شيخ كبير وعجوز عاقر، صلى الله عليهم أجمعين ) ). تفسير مقاتل بتحقيق د / عبد الله شحاته (3: 53) .
وممن عُنيَ بأصل الاشتقاق من اللغويين ابن قتيبة (ت: 276) ، في كتابيه (تأويل مشكل القرآن) ، و (تفسير غريب القرآن) .
ومن ذلك قوله: (( أصل قضى: حَتَمَ، كقول الله عز وجل:(فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْت) (الزمر: من الآية42) ؛ أي: حَتَمَه عليها.
ثُمَّ يصير الحتم بمعانٍ؛ كقوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (الاسراء: من الآية23) ؛ أي: أمر؛ لأنه لما أمر حتم بالأمر.
وكقوله (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ) (الإسراء: من الآية4) ؛ أي: أعلمناهم؛ لأنه لما اخبرهم أنهم سيفسدون في الأرض، حتم بوقوع الخبر.
وقوله: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات) (فصلت: من الآية12) ؛ أي: فصنعهن.
وقوله: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض) (طه: من الآية72) ؛ أي: فاصنع ما أنت صانع.
ومثله قوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيّ) (يونس: من الآية71) ؛ أي: اعملوا ما أنتم عاملون ولا تُنظِرون.
قال أبو ذؤيب:
وعليهما مسرودتان قضاهما** داود أو صَنَعُ السوابغ تبَّع
أي: صنعهما داود وتُبَّع.
وقال الآخر في عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
قضيت أموًا ثم غادرت بعدها** بوائج في أكمامها لم تُفَتَّقِ.
أي: عملت أعمالًا؛ لأنَّ كل من عمل عملًا وفرغ منه فقد حتمه وقطعه.
ومنه قيل للحاكم: قاض؛ لأنه يقطع على الناس الأمور ويحتِم.
وقيل: قُضِيَ قضاءك؛ أي: فُرِغ منه أمرك.
وقالوا للميت: قد قضى؛ أي: فرغ.
وهذه كلها فروع ترجع إلى أصل واحدٍ )) . تأويل مشكل القرآن (ص: 442) .
ويظهر أنَّ ابن فارس (ت: 395) قد استفاد منه هذه الفكرة، فصنَّف كتابه العظيم (مقاييس اللغة) منتهجًا بذلك ما كان قد طرحه ابن قتيبه (ت: 276) في كتابيه السابقين. ينظر: مقدمة السيد أحمد صقر لكتاب تأويل مشكل القرآن (ص: 83) .
كما عُنيَ الراغب الأصفهاني (ت: 400) بأصل الاشتقاق في كتابه (مفردات ألفاظ القرآن) .