فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 77

هزتْ رأسها ونظرت عبر النافذة. قامتْ لتخطو فوق البلاط ثم استدارتْ على عقبيها وأردفتْ:

-وأنا أيضًا، ليس لي صديقة أحدثها.. والدتي ترغمني أحيانًا على الذهاب معها.

-إلى أين تذهب والدتك؟

-لا أعلم، عند الغسق تعود مجهدةً تمامًا.

-ماذا؟!

-نعم، عندما تعود يكون شعرها منكوثًا.

نظرت في زجاج النافذة، أحنتْ جذعها قليلًا وسوّتْ شعرها بأصابعها. وقف العصفور متكئًا على الجدار وتأملها مليًا. كان وجهه متقلّصًا وفي عينيه لاح حزن مشوب بالبراءة. اقترب منها ولمستْ كفه كفها الباردة ونظر في عينيها بحنو.

-هل ستأتين في الأحد القادم؟

أجاب البرعم:

-سآتي.

تبسمتْ برقة وفتح لها الباب، كانتْ أصابعها الغضة في كفه المخشوشنة وفي عينيها أسى يبدو واضحًا تمامًا، أرسلتْ بصرها إلى السلم ورأت المقشة التي كانتْ بيدها قبل قليل، وفيما كانا واقفين في مستطيل الباب، أطل شاب نصف عار من الغرفة المجاورة، غمزها بحاجبه وابتسم بخبث، وضعتْ الفتاة سبابتها اليمنى على شفتها السفلى وراحت تنظر بحيرة وذهول.

الكوت 1975

العش

من خزانة الملابس اختارتْ ثوبًا أخضر، ووقفتْ أمام المرآة المشروخة فلمحتْ فتاةً ذات بشرة قمحية، عارية الذراعين والكتفين، ضربتْ بكعب حذائها الآجرة المربعة واستدارتْ فواجهت فرسًا بيضاء تركض خببًا عبر مرج أخضر.

بخطواتٍ ثقيلةٍ دنتْ منها وجعلتْ تنظر إليها عن كثب، مررتْ أصابعها الطويلة على ظهر الفرس. فجأةً دونما شعور أغمضتْ عينيها وبدتْ على مدى لحظات قلائل كالنائمة، عادتْ خطوتين إلى الوراء ومسحتْ بأصابعها فوق زندها العاري. شرعتْ تحدق بحنو في الفرس الجريحة. كانت الفرس هزيلةً بوضوح وأضلاع صدرها بارزةً تمامًا، فيما كانت قائمتها الأمامية تنز دمًا قانيًا كالشفق؛ وعلى الرغم من ذلك رفعتْ رأسها بإصرار، منطلقةً نحو عالم هادئ وجميل.

دارتْ على عقبيها وسحبتْ ستارة النافذة، ألقت نظرةً إلى الزقاق الوسخ. كان ثمة أطفال يلعبون، ونساء افترشن دكات المنازل يتكلمن بصوت عال، تركت النافذة واتجهتْ نحو الباب، وظلتْ مسمرةً في مكانها برهةً ثم اتجهت صوب الجدار إذ لمحتْ نادية فوق السطح. كانت نادية ذات بشرة بيضاء ترتدي ثوبًا أزرق. اقتربتْ نادية من الجدار ووضعتْ كفها على الحائط الواطئ، تطلعتْ إلى السماء وأردفتْ:

-بدأت ملامح الربيع تطل علينا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت