فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 77

ولأنني رجل عاطفي، كما أسلفتُ، فقد وقعتُ، لا إراديًا، في شباك العديد منهن. لا عجب، فالحب اصطاد في شباكه أقسى الجبابرة وأغلظ الطغاة؛ غير أنني لستُ من هذا الصنف ولا ذاك. أنا، ببساطة، رجل في الخمسين، أشيب الشعر، قصير ونحيل، يحب الموسيقى ويود أن يعيش بقية عمره بسلام. هذا لا يعني أني أريد أن أعيش عيشةً عقيمةً فاترة، وأن تهز لي شريكة حياتي رأسها موافقةً، في كل مرة، وأن تبتسم لي ابتسامةً بلهاء، تنم عن حسن الطوية أو الرضا.. لا، على العكس، أريد امرأةً مشاكسةً، عنيدة نوعًا، صعبة المراس نوعًا، أريد امرأةً من زبد، أنثى تتماوج تحت قميص نوم شفاف، ذات جسد أشبه ببحر غاضب، عنيف، مضطرب، متلاطم، يكسّر كل الصواري ويغرقها بين أمواجه الصاخبة. خلاصة القول: أنثى لا تبقى ساكنةً ساهمةً بليدةً؛ بل أنثى تعزف معي لحنًا مصاحبًا.

الواقع، حصلت لي في خلال ربع القرن الذي زاولتُ فيه العمل، مواقف مثيرة وحكايات غريبة لا تقل غرابةً عن حكايات ألف ليلة وليلة أو قصص مورافيا أو غونتر غراس أو يوسف إدريس. فقد اتهمتني العديد منهن بالقسوة والعنف والغلظة؛ ونعتتني شابة نزقة ذات غمازتين في الخدين بأني رجل وحشي أعبث بأعصابهن وأحطم أفئدتهن. كما وصفتني أخرى، تدرس الفلسفة، تتأبط دومًا"مقدمة ابن خلدون"، كوني شيخًا متصابيًا لا يخجل من نفسه.. وذهبت إلى القول بأنني وعدتُ عشرات الفتيات بالزواج دون أن أفي بوعدي مرة واحدة، لا بل أن شابة جميلة قررت الطلاق من زوجها بعد أن ظنتْ أن قدح الآيس كريم المطعم بالفستق الذي اشتريته لها أسفل العيادة ما هو إلا مصارحة بالحب أو وعدًا بالزواج الأكيد.

بطبيعة الحال، أنا بريء كل البراءة، من كل الأقاويل والشائعات التي لاكتها الألسن بحقي؛ مع أنني لا أنفي كوني قد أُعجبتُ بالعديد منهن وفتحتُ فمي الواسع كي يضعن فيه ملعقةً أو ملعقتين من الآيس كريم.. كنتُ، دومًا، أنهي قدحي قبلهن.. فأنا رجل يحب الآيس كريم حبًا عظيمًا.. ويتمنى، دومًا، أن يلعق مخروط الآيس كريم في فراشه الوحيد.. ما أجمل أن تكون مع زوجتك في فراش وثير دافئ، تلعق البرودة المنعشة، وتستمع لموسيقى عذبة منبعثة من غرامفون قريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت