فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 77

في ساعات فراغي، في العيادة، أو في شقتي التي أعيش فيها وحيدًا، والتي لا تبعد سوى مئات الأمتار عن مؤسستي.. كنتُ أصف المرايا على طاولة المطبخ في الشقة أو على زجاج مكتبي الأنيق في العيادة.. من يتطلّع إليّ من نافذةٍ عبر الشارع يحسبني ألعب الورق وحدي كما يروق للبعض أن يفعل عندما لا يكون هناك ما يستحق المشاهدة في التلفاز.

أصف المرايا قبالتي.. أصفها واحدة جوار الأخرى.. افتح الحقيبة الجلدية التي ترافقني في حلي وترحالي.. لو أن لصًا سرق تلك الحقيبة مني وأنا في طريقي إلى العيادة أو الشقة، فمن المؤكد أنه كان سيلعنني ويشتمني عشرات المرات لأنني تسببتُ في هدر وقته وضياع جهده؛ فما معنى أن تصف مرايا الفم في حقيبة جلدية أنيقة، يخطر ببال أي لص ذكي في مدينتنا أنها مليئة بالدنانير لا بل آلاف الدنانير.. في حين يكتشف هو، ويا لحظه العاثر، إنها تكاد تكون خالية إلا من تلك المرايا الصغيرة ذات المقابض الفولاذية.. وكما قلتُ، أفتح الحقيبة، وأصف المرايا أمامي.. صفارة.. تعداد صباحي آنساتي الجميلات.. لا.. لا.. لا يهم.. ليس بالضرورة حسب الطول.. أرتب المرايا على مكتبي أو على طاولة المطبخ.. المقابض قريبة مني والمرايا قبالتي.. أهمس مع نفسي.. هذه هي كنوزي.. كنوزي التي لا أعادلها بكل الكنوز التي قرأتُ عنها في الصحف والمجلات الأسبوعية المصوّرة، ولا حتى تلك الكنوز التي تصفها الروايات وقصص الجان.. إنها أثمن من كنوز الملك سليمان.. إنها كنوزي أنا، ملكي وحدي، لا يشاركني فيها أحد من بين خلائق الدنيا كلها.. أنا المالك الوحيد؛ هبات سماوية، منحها لي الباري.. وها أنذا ألهو بها، أتسلى بها، أهمس لها، أناجيها، أغني لها، أتغنى بها.. أروي لها القصص والأساطير.. أداعبها بأطراف أصابعي.. أمسح على شفاه خليلاتي العذراوات.. هذه شفة وفاء، وهذه شفة شذى وتلك شفة أصيل.. أنقل مرآة شذى وأضعها في محل مرآة هيفاء.. هذا الموقع يناسب مرآة شذى.. ليس من اللائق أن أضع مرآة شذى في الحافلة.. أضع شفة شذى جنب شفة سارة.. ثم أبدل رأيي ثانيةً وأخاطب نفسي هامسًا: لا، لا.. يستحسن وضع شفة شذى في هذا الموقع.. إن شفتها الرفيعة ضاربة إلى اللون البني، لذا من الأفضل أن أضعها هنا.. بين شفة بشرى وشفة بان.. أو لعل من الأفضل أن أضعها إلى جوار شفة إيمان.. فإيمان صديقة شذى من سنوات طوال.. ربما قبل عشرة أعوام.. أو حتى قبل ذلك.. إيمان كانت ترسم بالألوان المائية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت