فهرس الكتاب
ميلاد تغادر المطعم في الثالثة بعد الظهر، ثم تعود إلى المطعم وقت العشاء، سبع ساعات عمل صباحًا وثلاث ساعات مساءً. عمل مرهق، ستقولون حتمًا.. نعم، ميلاد أنهكها الإعياء بحيث أنها كانت تحس بالضجر والتبرم؛ لكن مامن خيار آخر في النفق المغلق.
خرجتْ ميلاد متعبة من مطعمها كعادتها في كل يوم، مخفضة الرأس، تحدّق في آجرات الرصيف التي تمر فوقها يوميًا أمواج بشرية ضائعة، حزينة إنما لا تفارقها تلك الرغبة الغريزية في البقاء والعيش والتحمل برغم كل المعاناة التي تكابدها يوميًا. وفي زاوية أحد الشوارع، اصطدمت بالشحاذ الذي جرع الماء في المطعم. بانتْ على ملامحها سيماء الاشمئزاز، وقبل أن تستطيع هي التنحي عنه، غرز سكينته الصدئة في قلبها.. تهاوتْ ميلاد أرضًا، وسال دمها على الرصيف، وبينما كنتُ أتأهب لمغادرة مبنى البلدية كان"قلبها المطعون يتأهب للموت".
حكيتُ لصديق الدراسة كل ماجرى لي في السنوات الأخيرة. استرجعنا كل الأفعال الصبيانية التي قمنا بها خلال سنوات القسم الداخلي. قرأنا مقاطع ظلتْ ملتصقةً بذاكرتنا من"سيرة التفاحات الأربع".. تذكرنا معارض الفنون التشكيلية، وقناني البيرة المضببة في الحانات الخافتة الأضواء.
"هوّن عليك.. حشر مع الناس عيد".
كلام صديقي لم ينفعني فتيلًا. لا عزاء لرجل فجع بموت ملاكه. مواساته لم تستطعْ أن تمحو ذكرى أثيرة واحدة من ذكرياتي مع ميلاد.
إني، الآن، جالس في شقتي، وحيدًا، أكتب قصتي هذه على ضوء شمعة اشترتها ميلاد لعيد زواجنا الثاني.. اليوم يصادف الذكرى السابعة لرحيلها.. سبعة أيام، أو سبعة أسابيع، أو أشهر أو سنين.. هي ذي أشياء ميلاد من حولي. منشفة الحمام البرتقالية، صنارتا الحياكة رماديتا اللون، ديوان"أنطونيو ماتشادو".. حاجيات ميلاد ماتزال في مكانها.. لم أجرؤْ على مسها.. بعد قليل ستأتي هي.. المنشفة ماتزال رطبة. الصنارتان متصالبتان، إحداهما مغروزة في الكم الصوفي.. ريشة طائر وسط الديوان.. بعد رحيل ميلاد لم تدخل شقتي شابة أخرى. ميلاد آخر النساء في حياتي.. وهي، حتمًا، أول النساء أيضًا.
ولأني أريد أن أحتفي بغيابها الفاجع، فقد اشتريت زجاجة عصير الشمندر.. و ضعتُ الزجاجة على الطاولة التي أكتب عليها الآن.. ثم أتيتُ بكأسين من الزجاج. سكبتُ كأسًا لي وأخرى لها.. ميلاد تجلس قبالتي الآن، تقرأ بالإسبانية قصيدةً لـ بابلو نيرودا. صوتها ينبعث حزينًا:
"مانفع الأشعار إذا لم تكن للندى"