فهرس الكتاب
شيء واحد ظل يلازمني من بقايا رحلتي الطويلة والاغتراب، هو"الإحساسُ بالزمن"هذا الإحساسُ الذي يُطاردني مع عقارب الساعة، ويدعوني لاهتبال دقائقه وثوانيه، فيُقلقني ولكنني راضٍ به، أوزّعُه بين عملي اليومي في الكتابة الجادة، وبين قراءة مايصلُني من رسائل الأخوان والأصدقاء ونتاجهم الأدبي والفكري والعلمي، ومايستجدُّ من كتب في مجال الاختصاص.
وبالأمس حمل البريدُ إلي"الأمل الكبير"... والأمل الكبير قصةٌ أنيقةُ المظهر وربما المخبر، غِلافُها برَّاقٌ، ساحرُ الخطوط، يعلو جبهته اسمُ"محمود نجيب الفلاح"... أقرأُ الاسم، فيشرق في فكري تاريخ، ويسطع في قلبي قبسُ حكايا، سمعتُها منذُ زمنٍ بعيدٍ - عندما كنتُ مدرسًا لمادة اللغة العربية في ثانوية الصنمين، على بُعد خمسين كيلومترًا جنوب دمشق - عن تاريخ هذه الأسرة، منذ اليوم الذي استضافت به الملك فيصلًا في مطلع العشرينات من هذا القرن وهو في طريقه إلى دمشق لاعتلاء عرشها، حيث كانت مضافة عميدِ أُسرة الفلاح ندوةً للمشورةِ والرأي، ومآبًا للثوَّار العرب إبّان مقارعة الاستعمار، وماقدّمت من شُهداء في ذلك الزمن، وماتلاه من أعصر، وكم عانى بعض أفرادها من ظلم وجورٍ وسجن وتشريد في مختلف العهود.
تذكرتُ كلُّ هذا وذاك، ولم أنسى طعم الديوك اللذيذ على مائدة هذه الأسرة إذ ذاك يوم كنتُ أُدْعى إليها في ذلك الزمن السحيق.
"والأمل الكبيرُ"عنوان قصةٍ متوسطةٍ الحجم تقع في مئةٍ واثنتين و ثلاثين صفحةً على ورقٍ أبيض صقيل، ولفت نظري ناشره [1] وأما المؤلف، فتربطني به وشائج صداقة لا انفصام لعُراها، وقرابةُ فكرٍ وحّدتْ أهدافنا، ومهدتْ سبلنا للوصول إليها.
بدأت ألتهم صفحات الكتاب، وصورةُ أبي بشار محمود تتكئُ على مسندِ كلّ حرفٍ من حروف كلماته، ونبرةُُ صوتِه تخترِقُ الأذنَ لتصل إلى القلب، وإشارةُ يده تلوحُ لي مع كل فاصلةٍ، ووراءَ كل إشارةِ استفهام ... ورويدًا رويدًا نسيت أني أقرأ كتابًا، وإنما أنا مُشتبكٌ في حوارٍ مع أبي بشار، بكل مافي الحوار من حرارة، وصدق في الأداء، وعمق في التجربة ... يرتفع صوتُه حينًا، ويخفِتُ أحيانًا أخرى، يبتسم هُنا، ويعبس هناك، وأما قهقتهُ فأسمعُ صداها يتجاوبُ في أنحاء صدري، فتنعكس على قسمات وجهي وامتداد شفتيّ.
(1) "دار الأهالي للنشر والتوزيع بدمشق"وهي دارٌ معروفةُ بجدِّيتهاواتزانهامن خلال ماقدمته من منشورات حتى الآن.