فهرس الكتاب
النتائج والتوصيات
بينت في هذه الورقة أن الخط العام الذي انتهجته هذه الدراسة يركز على قضية مهمة، هي حاجة مجتمعاتنا إلى تنمية وتوسيع وتعميق الفكرة الوقفية وتطبيقاتها. وإن الانطلاقة الفكرية الفقهية تشكل الدافع الأهم لتطوير نظرتنا إلى الوقف الإسلامي وجعله نبراسا للعمل الاجتماعي العام خارجا عن إطار القطاع الحكومي وبنفس الوقت متعاونا ومكملا له. وإذا أرادت أمتنا للوقف أن يقوم بدور يماثل دوره التاريخي المجيد فلا بد من توسيع الإطار الفقهي للوقف وتطويره بما يناسب العصر نتيجة للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الكثيرة التي حصلت خلال القرنين الماضيين.
ولقد عالجت قضية تطوير فقه الوقف لإيجاد صور وقفية جديدة تتناسب مع الحياة والحاجات المعاصرة، الأمر الذي يعتبر عنصرًا مهما في إعادة مسيرة الوقف الإسلامي إلى دورها البنّاء في تحقيق الأهداف الخيرية الاجتماعية التنموية والتشجيع على قيام أوقاف جديدة. ولقد عرضنا صورًا وقفية جديدة كثيرة، هي في حقيقتها من أعمال البر والخيرات والقربات التي تحث عليها الشريعة الغراء وتشجعها، وإن كان الفقه التقليدي لم يعالجها!
ولا بد من القول أن التطبيق الإسلامي كان سباقا في ابتكار الوقف الأهلي، واعتباره وجها من وجوه البر، يمنحه كل ما يمكن أن يمنحه القانون من رعاية وتشجيع. ولقد نبَغَ في ذلك الفقهُ الإسلامي، فأقام البنيان النظري لذلك السبق التطبيقي.
ولقد تميز الفقه الإسلامي بقضيتين أخريين: أولاهما التفصيل في أنواع البر وأحكام تحبيس الأموال من أجله، وبخاصة ما يؤكده جمهور الفقهاء من إلزام الوقف [1] فالوقف إذا انعقد التصريح به، أو تم حوزه من قبل الناظر، صار ملزما لا رجعة فيه، إلا بقدر ما استثنى الواقف في وثيقة الوقف نفسها. وأما الثانية فهي ما قُيِّد فيه ناظر الوقف أو متوليه من قيود، لا تمكنه من التصرف بعين الوقف، كما تفرض عليه تعظيم انتفاع الغرض الموقوف عليه. بل قد ذهب فقهاؤنا رحمهم الله إلى أبعد من ذلك، فأبطلوا شرط الواقف بعدم عزل الناظر لو أساء، أو بعدم خضوعه لرقابة القضاء وإشرافه عند الحاجة لذلك [2] .
وفي مقابل ذلك، فإن قوانين أخرى كالقانون الأمريكي مثلا لم تشترط في كثير من أنواع الأوقاف نفس الخصائص الوقفية التي اشترطتها الشريعة الغراء. فالمساجد، والكنائس، ومعظم العقارات، والأموال الثابتة، التي تملكها الجمعيات الدينية والخيرية والعلمية، وغيرها من الهيئات التبرعية غير الحكومية، كلها لا تتمتع بالصفة الوقفية المؤبدة، إلا إذا نص الواقف على ذلك في سجلها العقاري، إذا كانت عقارا، أو أُنشِئت لها Foundation، وذكر في عقد إنشائها أنها لا تملك الأصول الثابتة إلا على سبيل النظارة أو الأمانة. وينتج عن ذلك نتيجة خطيرة هي أنه في الكثرة الغالبة جدا من الحالات تستطيع إدارة الجمعية الدينية - من الوجهة القانونية - أن تبيع المسجد [3] ، وتنفق ثمنه على إقامة الحفلات والمهرجانات مثلا، كما يستطيع دائنوها - ولو بدين ناشئ عن الفعل الضار - مقاضاتها، وحجز المسجد، وبيعه للوفاء بالدين. كما تستطيع الجمعية رهنه أو التصرف به أي تصرف آخر، مما يتصرفه المالك بملكه.
وأخيرا، فإننا نعتقد أن تهيئة الإطار الفقهي والقانوني هو من المقدمات الضرورية لنمو الوقف وإنشاء أوقاف جديدة وتوسعها وازدهارها. فإذا أردنا أن يعود للأوقاف
(1) الزرقا، ص 17 ـ 18 و 88 ـ 91.
(2) الزرقا، ص 120.
(3) أو الكنيسة أيضا بالنسبة للجمعيات الكنسية.