الصفحة 2 من 18

التدابير الشرعية

في المحافظة على البيئة بين النظرية والتطبيق.

مقدمة

في الوقت الذي أتت فيه شرائع الباري جل وعلا على إقرار التدابير التي من شأنها أن تكفل قيم التوازن في العلاقة القائمة بين الإنسان والكون، وفي الوقت الذي سخر الله سبحانه وتعالى هذا الكون للإنسان بما فيه من آيات ظهر منها ما ظهر وبطن منها ما خفا وما لا يعلمه إلا الله جل وعلا؛ وفي الوقت الذي عدت الشريعة الإسلامية بمكنوناتها وجلال عظمتها خاتمة الشرائع الربانية، تربض على ترسانة من المفاهيم والقيم العليا، وتمس مختلف المصالح الفردية والجماعية بجملة من الضوابط المؤطرة للسلوك الإنساني، وتوازن بين المصلحة الفردية والجماعية، وتصب كلها في خدمة الإنسان بمفهومه الشمولي القائم على احترام الفكر والمنطق؛ وفي الوقت الذي ضرب الله الأمثال للبشرية جمعاء حتى تعم الفائدة منها على ما يلزم العمل ضمن محيطه من سلوك وعدم الخروج على الثوابت التي من شأن تجاهلها فقدان التوازن بين المصالح الفردية والجماعية وما يلحق به من تبعات؛ وفي الوقت الذي جعل الله في القرآن الكريم العبر والحقائق العلمية الدالة على عظمة الخالق وبديع صنعه، وفي الوقت الذي تتابعت فيه المؤتمرات، وتوالت القوانين والتشريعات في سبيل الوصول إلى نظام بيئي أقل خطرًا وأكثر ملاءمة لحياة الإنسان نجد أن الممارسة العملية التي جنحت إليها الأمم تقف على مسافة من تلك الحقائق الكونية، فبدلا من أن تتفاعل معها بما يتطلبه الحفاظ على مصلحة الإنسانية من خلال التطبيق السليم للتدابير الشرعية الناظمة لعلاقة الإنسان بهذا الكون -عموما- والبيئة كوحدة موضوعية ضمن مكونات الكون خصوصا- يكشف السلوك الإنساني عن أنماط لا منهجية ضمن هاته العلاقة، تغدو فيها تلك التدابير ضمن مسار متوازٍ مع ما يجب أن يكون، الأمر الذي أفضى إلى مشكلات عملية أخذت تتهدد البشرية، لا بل صفة البقاء ضمن ما ظهر في الجانب الإيكولوجي من مشكلات لا تؤمن عقباها إذا لم يصار إلى الرجوع إلى أمر الله تعالى والعمل بما أنزل وما أمر.

تبدو مثل هذه الرؤيا وكأنما قد دق ناقوس الخطر، والواقع أن المسوغات التي حدت بنا إلى تناول هذه الدراسة بجوانبها الموضوعية تعبر حقيقة عن تلك الرؤيا وعن الخطر الداهم الذي أخذ يتربص بالبشرية ضمن المشكلات البيئية المتفاقمة يوما بعد يوم، والتي لا يستطيع أي كان إنكارها أو التغاضي عنها، أبرزها ظاهرة النينو (الاحتباس الحراري وثقب طبقة الأوزون وما يترتب عليها من تبعات تتهدد البشرية جمعاء، وتعاقب الهزات والزلازل والبراكين الناجمة عن اختلال التوازن البيئي والاستغلال اللامقنن لخيرات باطن الأرض، زيادة على ارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان الجليد في القطبين المتجمدين(الشمالي والجنوبي) وأخيرا المشكلات العظيمة الناجمة عن التلوث البيئي الناجم عن مخلفات الصناعة وعوادم السيارات ومخلفات التكنولوجيا وما يعززه اجتثاث الغابات وقطع الأشجار ... الخ.

إن السعي إلى حصر الممارسات اللامنهجية للأنشطة الفردية والجماعية ضمن طائفة السلوك الإنساني الجائر لهو من قبيل المجازفات التي لا يكاد فيها الباحث يصل إلى نتيجة شمولية طالما عدت المسوغات الأساسية التي تكفل هذا الحكم قائمة على أساس تصاعد وتيرة وأنماط الممارسات غير المقننة بصورها ومظاهرها المبعثرة يوما تلو الآخر، الأمر الذي يستلزم معه الوقوف كل يوم - لا بل كل ساعة - ضمن نسق ونمط جديد من السلوك، وهو أمر غاية في الصعوبة.

تحت هذه الأشكال جاءت هذه الدراسة لتعمد إلى وضع إطار عام تسعى من خلاله إلى رصد التدابير الشرعية التي تعاطى من خلالها الدين الحنيف مع البيئة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت