واهتمّ الإسلام بهذه النّاحية كاهتمامه بكلّ نواحي الحياة,"فاهتمّ بالمال ايجادًا وتنمية واستثمارًا وبقاء, من النّاحيتين الإيجابيّة والسّلبيّة, فاعتبر المال أمانة ثقيلة بيد صاحبه, وألزمه بحفظه, وتثميره, وألزمه السّعي من أجل تحصيله" [1] . وما هذا إلّا اعترافًا من الإسلام بأهميّة الإقتصاد, ودفعًا للمسلمين ليهتمّوا ذلك الإهتمام الّذي يضع المسلمين في مكانهم المناسب على السّاحة الدّوليّة, فتكون لهم قوّتهم, واستقلالهم, فلا يخضعون لقوانين الغرب الّذي أدخل إليهم كثيرًا من المعاملات الّتي حرّمها الإسلام وقبلها المسلمون في هذا العصر ـ للأسف ـ بسبب ضعفهم وتخلّفهم.
2 ـ الإقتصاد العالمي الجديد وقيامه على الرّبا, كيف؟ ولماذا؟:
إنّ سعي البشر لتحصيل المال جعل الإنسان يحاول بكلّ السّبل ـ المشروعة وغير المشروعة ـ تكثير ماله وتجميعه, فالقوّة بيد الغني, والسّيطرة بيد صاحب المال, وحبّ المال غريزة في نفس الإنسان, لذلك فقد صار هذا الإنسان يتحايل حينًا, ويبرر أحيانًا أخرى لإزالة أيّ عائق يقف في طريق جمعه الثّروة.
وكان الرّبا من أيسر السّبل وأضمنها لجمع المال وتكثيره, ولكنّ تحريم الرّبا في كلّ الشّرائع السّماوية وقف عائقًا أمام اعتماد الرّبا كوسيلة من وسائل جمع المال.
فقد"ظلّت البلاد الّتي تدين بالمسيحيّة تذعن لأحكامها في تحريم الفائدة حتّى نهاية القرن الثّالث عشر تقريبًا, ثمّ أخذت تحت ضغط الحياة الإقتصاديّة, بسبب ظهور طبقة التّجار من جهة, وتقليص نفوذ الكنسية من جهة أخرى تفسح المجال لزحف الفائدة على ميادين المعاملات الماليّة شيئًا فشيئًا" [2] .
فالمصلحة ـ ومصلحة التّجار خاصّة ـ كانت السّبب الرئيس في تحليل الرّبا. يقول جو آلنر:"لقد أصبح رجال الأعمال عندنا تائهين في مطاردة المال, الّذي يجب أن يكون وسيلة إلى الحياة الطّيبة, لا غاية في ذاتها, حتّى نسوا الغاية, وأمعنوا في التّعلّق بالوسيلة" [3] .
والنّهضة الصّناعيّة الّتي قامت في أوروبّا, وحاجة المشاريع إلى المال اللازم للتّمويل, وغياب التّعاون والتّراحم في المجتمع الغربيّ, وتقديم مصلحة الفرد وتقديسها, كلّ ذلك أدّى إلى أن يصبح التّعامل بالرّبا ضرورة في تلك المجتمعات, حتّى صار النّظام"الفرديّ في العالم الغربيّ, يئنّ اليوم أمام مطامع الأفراد المتمثّلة في الإحتكارات"
(1) 3 ـ وهبة الزّحيلي, مفهوم المال والإقتصاد في الإسلام, مجلة نهج الإسلام, العدد 49 (السّنة 13, 1413/ 1992) , 24.
(2) 4 ـ د. محمّد عبد المنعم الجمّال, موسوعة الإقتصاد الإسلامي, دار الكتب الإسلاميّة ودار الكتاب المصري, القاهرة, دار الكتاب اللبناني, بيروت, ط2, 1406/ 1986, 389.
(3) 5 ـ أحمد محمّد جمال, محاضرات في الثّقافة الإسلاميّة, 310.