فهرس الكتاب
فلا بد من أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة فيها؛ كالخليل، وسيبويه، والأخفش، والجَرْميُّ، والمازني ومن سواهم، وقد قال الجَرْميُّ: )) أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه (( .
وفسروا ذلك بعد الاعتراف به بأنه كان صاحب حديث، وكتابُ سيبويه يتعلم منه النّظر والتّفتيش، والمراد بذلك أن سيبويه وإن تكلم في النحو؛ فقد نبّه في كلامه على مقاصد العرب، وأنحاء تصرفاتها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصر فيه على بيان أن الفاعل مرفوعٌ والمفعول به منصوب ونحو ذلك، بل هو يبين في كل باب ما يليق به، حتى إنه احتوى على علم المعاني والبيان ووجوه تصرفات الألفاظ والمعاني، ومن هنالك كان الجرمي على ما قال، وهو كلام يروى عنه في صدر )) كتاب سيبويه (( من غير إنكار.
ولا يقال: إن الأصوليين قد نفوا هذه المبالغة في فهم العربية؛ فقالوا: ليس على الأصولي أن يبلغ في العربية مبلغ الخليل وسيبويه وأبي عبيدة والأصمَعي، الباحثين عن دقائق الإعراب ومشكلات اللغة، وإنما يكفيه أن يحصّل منها ما تتيسر به معرفة ما يتعلق بالأحكام بالكتاب والسنة.
لأنا نقول: هذا غير ما تقدم تقريره، وقد قال الغزالي في هذا الشرط: )) إنه القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال، حتى يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه،ولحنه ومفهومه (( .
وهذا الذي اشترط لا يحصل إلا لمن بلغ في اللغة العربية درجة الاجتهاد ، ثم قال: (( والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ مبلغ الخليل والمُبَرَّد ، وأن يعلم جميع اللغة ويتعمق في النحو (( .