الصفحة 4 من 4

جِنسِها، وهو مما لا يختلفُ اثنانِ في تعيُّنِ طلبِه والقصدِ إلى تحقيقِه. ذكَّرْتُ بهذا -وأحسبُه متقرِّرًا عِندَكم- توطئةً لما سأذكرُه تمثيلًا له.

وأنتم تعلمون -حفظكم الله- بأنَّ عامَّةَ الناسِ في البيئةِ التي أنتم فيها في ضعفٍ شرعيٍّ في العِلمِ والعملِ، والضعفُ في جانبِ العِلمِ من الوجهين: الجهلِ البسيطِ؛ بقلةِ الثقافةِ الشرعيةِ وبساطةِ الناسِ، والجهلِ المركَّبِ؛ بفسادِ المفاهيمِ وانحرافِ التصوراتِ وفشوِّ البِدَعِ ونحو ذلك؛ وذلك أثرٌ للضعفِ والفسادِ في الحركاتِ الدينيةِ المؤثِّرةِ في المجتمعِ، والمكوِّنةِ -في الجملةِ- لثقافتِه الشرعيةِ.

وأمَّا الدعوةُ السلفيةُ الإصلاحيةُ ومفاهيمُها الشرعيةُ السُّنيةُ؛ فأمرٌ وافِدٌ على المجتمعِ، وهي دعوةٌ ناشئةٌ فيه، وإن كان لها جذور قديمة، وحقيقتُها ما زالت عِندَ أكثرِ العامةِ مجهولةً مُنكرةً؛ لكونِها حديثةً مخالفةً لما يعهدونَ، ولتشويهٍ في تصويرِها تولَّى كِبرَه طرفانِ: الحركاتُ المخالفةُ؛ بما يفترونَه على أهلِ هذه الدعوةِ وما ينسبونَه زورًا إليهم؛ في حربٍ إعلاميةٍ منظمةٍ وضع لها لجانٌ مختصةٌ، ويُعقَد مِن أجلِها الجلَساتُ المسماة بورش العمل، والطرف الثاني جهلةُ المنتسبين إلى هذه الدعوةِ المباركةِ؛ بأقوالِهم وأفعالِهم غيرِ الشرعيةِ، والتي لا يَرضاها أهلُ العِلمِ بدينِ الله ممن ينتسبُ إلى هذه الدعوةِ ويَنهون عنها.

فأقول: إنَّ أمامَكم سبيلًا طويلًا لتخليةِ أذهانِ الناسِ مِن التصوراتِ الفاسدةِ عن دعوتِكم وتنظيماتِكم، ولتهيئةِ نفوسِهم لتقبُّلِ هذه الدعوةِ وأصولِها والأهدافِ الشرعيةِ لحمَلتِها، ولا بُدَّ لذلك من أن يرى الناسُ مِنكم -في أقوالِكم وأعمالِكم- أنَّ دعوتَكم دعوةُ رحمةٍ بالخلقِ، وهدايةٍ إلى الحقِّ، وأنَّكم أهلُ رفقٍ وعدلٍ وإنصافٍ، حتَّى تتهيَّأ نفوسُهم لقبولِ ما حملتُم إليهم مِن المفاهيم الشرعيةِ، فلا بُدَّ لكم مِن تأخيرِ الجفاةِ أهلِ الجهلِ والغِلظةِ، والأخذِ على أيديهم أنْ يُمثِّلوا منهجَكم عِندَ العامةِ، وتصديرِ أهلِ العِلمِ والاتِّباعِ والحلمِ والحِكمةِ؛ فهذا أمرُ اللهِ في أصلِ الدعوةِ (أن تكون بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ) فكيف والحالُ هذه؟ وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} وفي تعقيبِ آيةِ الدعوةِ بآيةِ الأمرِ بالدفعِ بالتي هي أحسن وبيانِ عاقبتِه المحمودةِ؛ بيانُ أنَّ هذا سبيلُ وصولِ الدعوةِ إلى قلوبِ الناسِ، كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} ، قال ابنُ جرير [في تفسيره 7/ 341] : (فبرحمةِ اللهِ يا محمد، ورأفتِه بك وبمَن آمن بك مِن أصحابك؛ {لِنْتَ لَهُمْ} : لتباعِك وأصحابِك، فسهلت لهم خلائقُك، وحسُنَت لهم أخلاقُك، حتى احتمَلْتَ أذى مَن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت