فهرس الكتاب
، فقال: سلْ ما بدا لك (1) .
فقال: أسألك بربِّك وربِّ من قبْلك ، آلله أرسلَك إلى الناس كلِّهم؟ فقال: اللهمَّ نعم (2) . قال: فأنشدُك بالله (3) ، آلله أمرك أن نُصلّي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم .
قال: فأَنشُدُك بالله ، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة (4) ؟ قال: اللهم نعم . قال: فأنشدُك بالله ، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة (5) من أغنيائنا فتَقْسِمَها على فُقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ نعم .
فقال الرجل: آمنتُ بما جئتَ به ، وانا رسولُ من ورائي من قومي ، وانا ضِمامُ بنُ ثعلَبة ، أخو بني سعد بنِ بَكْرٍ )) (6)
(1) ـ وفي (( سنن الدارمي ) )1: 131: (( لا اجِدُ في نفسي فسَلْ عما بدا لك ) ). وفي الحديث بيان تواضعِه صلى الله عليه وسلم ، ورِفقُه بالسائل المستفيد على تشديده في السؤال وتغليظِه فيه ، وفيه أنه ينبغي للمتعلِّم أن يقدِّم بين يدي سؤالِه مقدِّمة يتلطَّفُ فيها ويعتذر فيها ليَحسُنَ موقِعُ سؤالِه عند المعلِّم ، وهو من حُسن التوصُّل إلى المقصود .
(2) ـ أصلُ الجواب قوله (نعم) ، وذكر لفظ (اللهم) للتبرُّك وليدُلَّ على تيقُّنِه في الجواب ، فكأنه قال: يا الله إني أُشهدُك أنَّ ما أقولُ حقٌ .
(3) ـ أي أسألُك بالله .
(4) ـ أي شهر رمضان .
(5) ـ أي الزكاة .
(6) ـ وأخرج النسائي والبغوي هذا الحديث عن أبي هريرة ، وجاء في آخرة: (( فلما أنْ ولّى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَقِهَ الرجل ) ).
قال عبد الفتاح: ما أغفل هذا الرجل السائل ، وما أحسنَ مدْخَلضهُ وتقديم اعتذاره بهذا التمهيد لأسئلته التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستحلفه على جواب كل سؤال منها ، فقد توثَّق تمام التوثق من صِدق الصادِق المصدوق صلى الله عليه وسلم .
فلما استوفى أسئلته وأُعطي أجوبتها أعلَن إسلامه ، وانه رسول قومه الذين أوفدوه وهم تبعٌ له ، ليعلموا صدق الرسول الداعي للإيمان بما جاء به من عند الله ، فيُسلموا ، فهم لم يوفدوه عنهم إلاّ وهم على تمام الثقة من رجاحة عقله ، وثاقبِ نظرِه ، وصادقِ تفرُّسِه ، فلله دَرُّهم ودَرُّه ، ولذا قال سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما: ما سمِعنا بوافد قوم قطُّ ، كان أفضل من ضِمام . وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: ما رأيتُ أحدًا أحسنَ مسأَلةً ، ولا أوجَزَ من ضِمام بن ثعلبة . رضي الله عنه وأرضاه .
واسم (ضِمام) مأخوذ من ضِمام الشيء ، وهو ما يَشملُه وينطوي عليه . يقال: التقوى ضِمامُ الخير كلِّه .