فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 174

(( لمّا كان أنبياءُ الله صفوة عباده وخيرةَ خَلْقِه ، لِما كلَّفَهم من القيام بحقِّه ، استخلصهم من أكرم العناصر ، وأمدَّهم بأوكد الاواصر ، حِفظًا لنسبِهم من قَدْح ، ولمنصبِهم من جَرْح ، لتكون النفوس لهم أوطى ، والقلوب لهم أصفى ، فيكون الناس إلى إجابتهم أسرع ، ولأوامرهم أطوع .

وقد كانت آياتُ النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم باهرة ، وشواهِدُهُ قاهرة ، تشهَدُ مَباديها بالعواقب ، فلا يَلتبِسُ فيها كِذبٌ بصدق ، ولا مُنْتَحِلٌ بمُحِقّ ، وقد أرسله الله بعد الاستخلاص ، وطهَّره من الأدناس فانتفَتْ عنه تُهَمُ الظنون ، وسَلِمَ من ازدراءِ العيون ، لا يَدفعُهُ عقل ، ولا يأباه قلب ، ولا تَنفِرُ عنه نفس .

فهو المهيَّأُ لأشرف الأخلاق وأجمل الأفعال ، المؤهَّلُ لأعلى المنازل وأفضل الأعمال ، لأنها أصولٌ تَقودُ إلى ما ناسَبَها ووافقَها ، وتنفِرُ ما باينها وخالفها . ولا منزِلة في العالم أعلى من النبوّة التي هي سِفارةٌ بين الله تعالى وعبادِه ، تبعَثُ على مصالح الخَلْق وطاعةِ الخالق، فكان أفضل الخلق بها أخصَّ ، وأكملهم بشروطها أحقَّ وأمَسّ.

ولم يكن في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وما دانى طَرَفَيْهِ من قارَبَه في فَضْلِهِ ، ولا داناه في كماله ، خَلقًا وخُلُقًا ، وقولًا وفعلًا ، وبذلك وصفه الله تعالى في كتابه بقوله: (وإنَّك لعلى خُلُقٍ عظيم) (1) .

والفضل وإن لم يكن من مُعجزات النبوة ، لانه قد يُشارَكُ فيه ، فهو من أمارتها . وتكامُلُ الفضل مُعْوِز (2) ، فصار كالمُعْجِز ، وكمالُ الفضل موجِبٌ للصدق ، والصَّدق موجِبٌ لقبول القول ، فجاز أن يكون الفضلُ من دلائل الرُّسُل .

فإذا وَضَح هذا ، فالكمال المعتَبَر في البَشَر ، يكون من أربعة أوجه:

(1) ـ من سورة القلم ، الآية 4 .

(2) ـ أعوزَ الشيءُ فهو مُعْوِز ، إذا عَزَّ فلم يوجَد . أي تكامُلُ الفضل عزيز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت