فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 174

الخِصلة الأولى: رجاحةُ عقله ، وصحّة وَهْمِه (1) ، وصدقُ فِراسته ، وقد دلَّ على وفور ذلك فيه صحةُ رأيه ، وصوابُ تدبيره ، وحسنُ تألُّفه ، وانه ما استُغْفِلَ في مكيدة ، ولا استُعجِزَ في شديدة ، بل كان يَلحَظُ الأعجاز في المبادي (2) ، فيكشِفُ عيوبَها ، ويحُلُّ خُطوبَها ، وهذا لا ينتظم إلاّ بأصدق وَهْم ، وأوضح حَزْم .

والخَصْلة الثانية: ثباتُه في الشدائد وهو مطلوب (3) ، وصبرُه على البأساء والضرّاء وهو مكروبٌ ومحروب (4) ، ونفسُهُ في اختلاف الأحوال ساكنة ، لا يَخور في شديدة (5) ، ولا يَستكين لعظيمة (6) ، وقد لَقِيَ بمكة من قريش ما يُشيبُ النواصي ، ويَهُدُّ الصَّياصي (7) ، وهو مع الَّعْف يُصابِر صبْرَ المستعلي ، ويثبُتُ ثبات المستولي .

والخَصلة الثالثة: زهدُه في الدنيا وإعراضُه عنها ، وقناعتُه بالبلاغ منها (8) ، فلم يَمِلْ إلى نضارتها ، ولم يَلْهُ بحلاوتها (9) ، وقد مَلَك من أقصى الحجاز إلى عِذارِ العراق (10) ، ومن أقصى اليَمَن إلى شَحْرِ عُمان (11) ، وهو أزهد الناس فيما يُقتنى ويُدَّخَر ، وأعرضُهم عما يُستفاد ويُحتَكَر .

(1) ـ أي صحة ما يقع في ذهنه من الخواطر ، تقول في لغة العرب: وَهَمْتُ أهِمُ وَهْمًا ـ على وزن وعَدَ يَعِدُ وَعْدًا ـ إذا وقع الشيءُ في خاطرك وخَلَدك .

(2) ـ أي يبصر عواقب الأمور في مبادئِها .

(3) ـ أي مطلوب من أعدائه .

(4) ـ أي مُحارَب .

(5) ـ لا يخور: لا يضعف .

(6) ـ لا يستكين: لا يذل ولا يخضع .

(7) ـ الصياصي: الحصون المنيعة .

(8) ـ البلاغ: اليسير الذي يُتوصَّل به إلى الغاية .

(9) ـ أي لم يأنس بها ويعجب بلذتها .

(10) ـ العِذار: الجانب .

(11) ـ أي ساحل بحر عُمان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت