فهرس الكتاب
ولقد طرَقَ المدينة فَزَعٌ ، فانطلقَ الناسُ نحو الصَّوْت ، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سَبَقهم إليه ، فتلقَّوْه عائدًا ، على فَرَسٍ عُرْيٍ (1) ، لأبي طلحة الأنصاري ، وعليه السيف ، فجعل يقول: أيها الناس لمْ تُراعوا لم تُراعوا (2) ، ثم قال لأبي طلحة: إنّا وجدْناهُ بَحْرًا (3) ، وكان الفرس يُبطىء ، فما سبقَه فرسٌ بعد ذلك .
وما ذاك إلاّ عن ثِقَةٍ من أنَّ الله تعالى سينصُرُه ، وأنَّ دينه سيُظهِرُه تحقيقًا لقوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ على الدّينِ كُلِّهِ) (4) ، وتصديقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( زُوِيَتْ لي الأرضُ ، فرأيتُ مَشارقَها ومَغاربَها ، وسيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتي ما زُوِيَ لي منها ) ) (5) . وكفى بهذا قيامًا بحقه ، وشاهدًا على صِدقِه .
والخَصْلة الثامنة: ما مُنِحَ من السَّخاء والجود ، حتى جادَ بكل موجود ، وآثَرَ بكل مطلوب ومحبوب ، ومات ودِرْعُهُ مَرهونةٌ عند يَهوديّ ، على آصُعٍ من شعيرٍ لطعامِ أهلِه (6)
(1) ـ أي ليس عليه سَرْج ولا شيء .
(2) ـ هكذا الرواية: (لم تراعوا) ، كما في مواضع من (( صحيح البخاري ) ). و (لم) بمعنى (لا) وجاء في رواية مسلم في (( صحيحه ) ): (لن تُراعوا) . قال المحقق الزرقاني في (( شرح المواهب اللدنية ) )4: 335: (( ولن هنا بمعنى لم ، بدليل رواية البخاري(لم تراعوا) . أي ليس هناك شيء تخافونه )).
(3) ـ أي واسع الجري .
(4) ـ من سورة التوبة ، الآية 33 .
(5) ـ رواه مسلم 18: 13 ، وأبو داود 4: 138 ، وابنُ ماجه 2: 1304 كلهم في الفِتَن ، عن ثوبان رضي الله تعالى عنه مرفوعًا ، واللفظ المذكورُ هنا أولُه لابن ماجه ، وآخره لمسلم وأبي داود .
(6) ـ الآصُع: جمعُ صاعٍ ، وهو مكيالٌ تُكالُ به الحبوبُ ونحوها . =
= والحديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ، ولفظه: (( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودِرعُه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير ) ). وفي رواية الإمام احمد من حديث أنس: (( فما وَجَد النبي صلى الله عليه وسلم ما يَفَتكُّها به حتى مات ) ).