فهرس الكتاب
، ومن ترَك مالًا فلِوَرَثَتِه )) (1) .
فهل مثلُ هذا الكرم والجود ، كرمٌ وجود؟ أم هل مِثل هذا الإعراضِ والزَّهادة ، إعراضٌ وزُهْد؟
هيهات أن يُدْرَكَ شَأْوُ مَنْ هذه شُذورٌ من فضائِلِه ، ويَسيرٌ من مَحاسِنِه ، التي لا يُحصى لها عَدَد ، ولا يُدرَكُ لها أمَد . لم تكْمُلْ في غيرِه فيُساويه ، ولا كَذَّبَ بها ضِدٌّ يُناويه (2) .
ولقد جَهَد كلُّ مُنافق ومُعانِد ، وكلُّ زِنديق ومُلْحِد ، أن يُزرِيَ عليه في قولٍ أو فعل ، أو يَظفَرَ بهفْوةٍ في جِدٍّ أو هَزْل ، فلم يَجِد إليه سبيلًا وقد جَهَد جُهدَه ، وجَمَعَ كَيْدَه!
فأيُّ فضلٍ أعظَمُ من فَضْلٍ شاهَدَه الحَسَدةُ والأعداء ، فلم يَجدوا فيه مَغْمَزًا لثالِبٍ أو قادِح ، ولا مَطعَنًا لجارحٍ أو فاضح ، فهو كما قال الشاعر:
شَهِدَ الأنامُ بفضلِهِ حتى العِدا والفَضْلُ ما شَهِدَتْ بهِ الأعداءُ
وحقيقٌ بمن بَلَغ من الفضائل غايتَها ، واستكمَلَ لغاياتِ الأمور آلتها ، أن يكون لزعامةِ العالَم مُؤهَّلًا ، وللقيام بمصالح الخلق مُوكَّلًا ، وأن يَعُمَّ به الصلاح ، ويَنْحَسِمَ به الفساد ، ولا غايَةَ بعد النُّبوّة ، فاقتضى أن يكون لها أهلًا ، وللقيام بها مؤهَّلًا .
ولذلك استقرَّتْ به حين بُعِثَ رسولًا ، ونَهَضَ بحُقوقِها حين قام بها كفيلًا ، فناسبَتْه ، ولم يَذْهَلْ لها حين أتَتْه ، وكلُّ مُتَناسِبَيْنِ مُتَشاكِلانِ ، وكلُّ مُتَشاكِلينِ مؤتلِفان ، وكلُّ مؤتلِفَينِ متفقان ، والاتفاقُ وِفاق ، وهو أصلُ كلِّ انتظام ، وقاعدةُ كلِّ التئام .
(1) ـ رواه عن أبي هريرة رضي الله عنه البخاريُّ في مواضع 4:390 و 8:397 و 9:451 و 12:7 و 23 و 42 ، ومسلم 11: 60 ـ 61 ، واللفظ للبخاري مجموعًا بين رواية المواضع الأول والثاني .
(2) ـ أي يُعاديه . بل أقرَّ بها أعداؤه وأولياؤه جميعًا .