ولقد تبين سبق الشريعة الإسلامية لكثير من عمليات الرعاية اللاحقة التي تنادي بها العديد من المنظمات الدولية الآن، فلقد كتب فقهاء المسلمين - رحمهم الله - في حقوق السجين أثناء السجن وبعد خروجه وتضمن كلامهم العديد من القواعد التي تصلح أن تكون إطارا عاما للرعاية اللاحقة في الشريعة الإسلامية ، تجدر الإشارة إلى أن تلك الأحكام والقواعد التي انتهوا إليها لم تكن وليدة الرأي المجرد، بل هي مستمدة من آثار نبوية عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحوادث تفصيلية في عصر الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من حكام وقضاة في الدولة الإسلامية كما سنرى، وإن كانت تلك الأحكام والقواعد لا تسمى بالرعاية اللاحقة ولم يرد هذا المسمي لديهم وإنما يطلق عليها حقوق.
ولقد نبعت فكرة هذا الكتاب حين تمَّ تكلفي بإلقاء بعض المحاضرات عن الرعاية اللاحقة في مركز التدريب والبحوث الاجتماعية بالرياض التابع لوزارة العمل والشئون الاجتماعية، حيث وجدت ندرة في المراجع العربية التي تناولت الرعاية اللاحقة وتناثر موضوعاتها في العديد من المجلات العلمية أما ما يتعلق بالرعاية اللاحقة في التراث الإسلامي، وواقع الرعاية اللاحقة في المملكة العربية السعودية فلم أجد من تحدث عنها البتة، لذا رأيت لزاما عليّ أن أتناول هذين الموضوعين بشيء من التفصيل أثناء إلقاء المحاضرات لأهميتها من جانب، فهي خطوة في سبيل تأصيل جوانب العلوم الاجتماعية وطرحها بشكل شرعي يوضح جهود علماء المسلمين في هذا الجانب، ولإبراز جهود المملكة في مجال الرعاية اللاحقة .والكتاب يحوي أربعة فصول:
الأول: تناولت فيه المقدمات الأساسية للرعاية اللاحقة مثل تعريفها وأهميتها، والمرتكزات التي تقوم عليها، وأهدافها، وتحديد من يقوم بتنفيذ برامجها وإلي من تقدم هذه الرعاية، وأخيرا الاهتمام الدولي بالرعاية اللاحقة والجهود الدولية في ذلك .