الصفحة 120 من 461

1-أنهم يصطنعون"الفراغ المتوهم"، وكأنهم كانوا يؤمنون ببعض ذلك إلى أنّ الحيز لا يَرِدُ على الحقيقة؛ وإنما يَرِدُ على التخيّل والتوهُّم. وكأنه ينشأ عن هذا أنّ هذا التعريف أليق بالحيز كما نتمثله نحن في الأدب، منه بالفلسفة التي تنشد الدقة والإحاطة والصرامة والشمول الذي لا يغادر شيئًا ولا يتّركه إلاّ قرّره وناقشه.

2-إنّ هذا"الفراغ المتوهّم"يجب أن يضادّه"الفراغ المدرَك". فكان الأولى، في تصورنا، اصطناع هذا المصطلح الموصوف؛ إذ كان لفظ التوهّم، في اللغة العربية، منصرفًا لمعاني الغلط، وسوء الإدراك، والإغراق في السهو، والوقوع في التخيّل الشاحب أكثر مما هو منصرف إلى الدلالة والإدراك الدقيق (9) .ولعلّ الآية على ذلك قول زهير:

فلأيًا عرفْتُ الدارَ بعد تَوَهُّمِ*

حيث إن المعرفة والإدراك جاءا بعد معاناة التوهّم، ومكابدة التخيّل. وإذًا، فإنّا لا ندري كيف يَلْبِسُ هؤلاء المتكلمون التوهّم بالتحقّق، ومجرّد التخيّل بالإدراك الصارم؟

3-أنهم يربطون هيئة هذا الفراغ، وهو غير الحيز لدينا (إذ ما أكثر من يكون الحيز في تمثّلنا عامرًا لا خاويًا، وممتلئًا لا فارغًا) بوجود جسم ما يشغله ويملؤه. فكأنّ المكان لديهم كلّ حيز مشغول بجسم متشِكّل فيه، ماثلٍ فوق سطحه.

على حين أنّ المكان لدى الحكماء الإشراقيين يتمثلونه"بعدًا منقسمًا في جميع الجهات، مساويًا للبعد الذي في الجسم، بحيث ينطبق أحدهما على الآخر، ساريًا فيه بكلّيّته" (10) .

ولا نحسب أنّ هذا التعريف يبتعد كثيرًا في إجماله عن تعريف المتكلّمين؛ وإنما يختلف عن تعريفهم في تفصيله؛ إذ تصوّر الإشراقيين للمكان أنه يتساوى، ضرورة، بَعْدُهُ بالبُعْد الذي في الجسم. فكأنّ المكان لا تتجسّد كينونته إلاّ بالكائن فيه؛ فتساوي بُعْد المكان بالبعد الكائن فيه لا يعني إلاّ بعض ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت