الصفحة 18 من 461

إلى امرئ القيس، وذلك لعدم عيشه تلك التجربة، ولأنه كان موسرًا غنيًّا، ولم يثبت قطّ أنه كان مضطرًا إلى أن يحتمل القراب. بل لا نلفيه، في هذا الشعر يحتمل تلك القراب على ظهره فحسب، ولكنّا نلفيه متعوّدًا على حملها، وإنما ذلك شأن الفقراء الصعاليك، وسيرة السفلة والمماليك... ثم لعدم حاجته أيضًا إلى أن يُخَاطِبَ السيَّد حين عوى في وجهه:

فقلت له لمّا عوى إِنّ شَأْننَا

قليلُ الغِنَى إن كنت لَمَّا تَمَوّلِ

كِلانا إذا ما نال شيئًا أفاتَه

ومن يحترثْ حرثي وحرَثكَ يهزل

ونحن لا نرتاب في أبيات القربة الأربعة فحسب، ولكننا نرتاب، أيضًا، في أبيات الليل الأربعة التي يصف فيها الليل، وأنه كموج البحر في عمقه وظلامه، وهوله وإبهامه، وذلك لبعض هذه الأسباب:

أوّلها: إنّ الأبيات الأربعة التي يزعم فيها الرواة الأقدمون- والرواة هنا مختصرون في شخص حمّاد الراوية وحده؛ إذ هو الذي جمع المعلّقات السبع وأغرى الناس بروايتها لما رأى من عزوفهم عن حفظ الشعر (8) - أنّ امرأ القيس يصف فيها الليل، هي أيضًا، لا تجاوز الأربعة، مَثَلُها مَثَلُ الأبيات الأربعة الأخراة التي شكّ فيها الأقدمون أنفسهم وعَزَوْها إلى تأبّط شرًّا (9) ؛ ولذلك لم يتفقوا على إلحاقها بشعر امرئ القيس، على أساس أنها تخالف روح سيرة حياته لديهم.. وثانيها: إنّا وجدنا امرأ القيس حين يصف شيئًا يتولّج في تفاصيله، ويلحّ عليه بالوصف، بناء على ما وصلنا من الشعر الذي زعم الرواة الأقدمون أنه له: فنلفيه يصف حبيبته، وقل أن شئت حبيبتيْه- عنيزة أو فاطمة، وبيضة الخدر-، وقل أن شئت حبيباته إذا أدخلنا في الحسبان أمّ الحويرث، وجارتها أمّ الرباب، وعذارى دارة جلجل، وعنيزة، والحبالى، والمرضعات اللواتي كان طَرَقَ قبْلَها، أو قبَلَهنّ، وبيضة الخدر التي جاوز إليها الأحراس، وجازف بحياته من جلالها أمام من كانوا حِرَاصًا على قتله، وشدادًا في معاملته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت