الصفحة 49 من 461

ويدلّ على حداثة قول الشعر، قولُ امرِئِ القيس بن حجر:

إِنَّ بني عوف ابْتَنَوْا حَسَنًا

ضَيَّعَهُ الدُّخلولُ إَذْ غَدَرُوا

أَدَّواْ إلى جارهم خفَارَتَه

ولم يَضِعْ بالمغيب من نَصَروا

لا حِمْيَريٌّ ولا عَدَسٌ

و آَسْتُ عيرٍ يَحُكُّها الثَّفَرُ

لكنْ عويرٌ وفى بِذِمّته

لا قِصَرٌ عابه ولا عوَرُ

فانظر كم كان عمر زرارة (بن عدس) . وكم كان بين موت زرارة ومولد النبيّ عليه الصلاة والسلام. فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له إِلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام" (53) ."

هذا هو النصّ الجاحظيّ الشهير الذي تداوله الدارسون منذ اثني عشر قرنًا.

ونحن بعد أن تأمّلنا تعليق الجاحظ على أبيات امرئ القيس وجدنا هذا التعليق كأنه مقطوع عن كلام ساقط، ونص غائب، وإلا فما معنى تعجب أبي عثمان:"فأنظركم كان عمر زرارة، وكم كان بين موت زرارة ومولد النبيّ عليه الصلاة والسلام". ونحن نفترض أنّ ذكر زرارة كان ورد في شعر امرئ القيس مربوطًا بمناسبة تاريخيّة ذكر فيها زرارة بن عدس، أبو لقيط بن زرارة، فسقط من شعر امرئ القيس، إِن لم يكن ما افترضناه أَوّلًا من سقوط بعض كلام أبي عثمان.. ولم نر أحدًا من الدارسين الذي استشهدوا بنصّ الجاحظ تنبّهوا إلى هذا البَتْر، أو إلى هذا الغموض على الأقلّ، ومنهم البهبيتي (54) ، وشوقي ضيف (55) : إذ هم يهملون الجملة التي استشهدنا بها نحن، ولا يأتون الشعر الذي استنبط منه الجاحظ حكمه حول عمر الشعر العربي قبل الإسلام؛ ويستأنفون؛ وقل أنهم يقطعونه قطعًا، ويبترونه بترًا، من قوله:"فإذا استظهرنا"مع أنّ هذا الاستظهار لم يكن إلا‍ّ نتيجة لمقدّمة، وحكمًا مستنبطًا من نصّ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت