الصفحة 76 من 461

ولكننا نحسب أنّ ذِكْر أسماء النساء الحبيبات (زهير: أمّ أوفى؛ لبيد: نوار؛ عنترة: أم الهيثم؛ الحارث بن حلزة: هند) في المعلقات خصوصًا لم يكن يعني أن تلك الأسماء كانت تنصرف حقًا إلى حبيبات الشعراء، وإلاّ رُبَّتما كانوا قُتِلُوا قتلًا وَحِيًّا، وفُتِكَ بهم فتكًا ذريعًا. وإنما هي، في تمثّلنا على الأقل، أسماءٌ رمزيّة لا تعني إلاّ سمةً دالة على نساء بدون تخصيص للنسب، ولا تدليل على الانتماء العائليّ الحقيقيّ؛ ففي كلّ قبيلة عربية كان يوجد عدد لا يحصى من النساء ممن كن يَتَكَنَّين أويَتَسمين أُمَّ أوفى، ونَوارًا، وأمَّ الهيثم، وهِنْدًا...

والحق أنَّ ظاهرة الطلل في الشعر العربي قبل الإسلام الذي اتخذها له دأْبًا لم تأتِ عبثًا؛ و لا لمجرد البكاء على عهود ماضية، وأزْمُنٍ خالية؛ ولا لمجرد الحنين والتعلق بالمكان؛ فتلك جوانب عاطفية وقد تناولها الناس قديمًا وحديثًا من ابن قتيبة إلى نقاد عهدنا هذا؛ وإنما الذي يجب التوقّف لديه هو أن هذه الطلليات، أو المطالع الطللية، أو المقدمات الطللية- فبكلّ عبّر النقاد فيما نحسب -كانت جزءًا من تلك الحياة البدوية، الرعويّة، الشظِفَة، الضنْكة التي كان نظامها ينهض على إجبارية التنقل من مرعىً إلى مرعىً، ومن وادٍ إلى واد، ومن غديرٍ إلى غدير. وكانت القبيلة ربما اضطرت إلى التنقل فجأةً عن مستقرها من منزلها إذا خشيت العدوان عليها، أو الإغارة المبيتّة ضدها كما جاءت، مثلًا، بعض ذلك قبيلة بني أسدٍ حين تَوجَّسَتْ أن يُصَبِّحَها امرؤ القيس طلبًا بثأر أبيه ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت