فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 101

قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: [اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ] [1] .

-أثر الصبر في نجاح الداعي: للصبر أثره الحميد في نجاح الداعي وتحقق غايته وهي: دلالة الناس على الخير, وسبله، وصبر الداعي يكون في تحمل ما يلقاه من صدود وجحود، وما يكاد له في سبيل منعه، أو عرقلته من محاولات ودسائس، وما تنشر حوله من إشاعات وأكاذيب واتهامات، ولقد واجه النبي صلى الله عليه وسلم كل هذه الألوان الموحشة من كنود الناس وصدودهم وفجورهم، فصبر وصابر ورابط حتى بلغت دعوته الآفاق صلى الله عليه وسلم.

وكان عليه الصلاة والسلام حين يواجههم بالصبر الجميل، ويقابل إيذاءهم بالتحمل والحلم والاحتساب كان يصارحهم بذلك، وأنه ماض فيما هو فيه، وأن هذا العدوان لن يثنيه عن الحق الذي آمن به! فبعد أن أغروه بزخرف الدنيا وزهرتها، وهم يودون صرفه عن الدعوة وشجونها قال لهم: [ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني رسولًا وأنزل عليّ كتابًا وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم] [2] .

وفي هذا منهاج للدعاة والسائرين في طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام، وفيه بيان لما ينبغي أن يكون عليه الداعي في مضي العزيمة والحلم والاعتزاز بالحق، وأن الدعاة لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن الدعوة إلى الله، ولا تغريهم زخارف الدنيا، وفي هذا ولا ريب يكمن السر الذي تثمر به الدعوة.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قمة في صبره، قدوة في مصابرته، وتحمله وحلمه، فهو أصبر الناس على جفوة الناس وجحودهم، وأصبر الناس بعده هم أمثلهم طريقة، وأكثرهم عزيمة، وأقربهم إلى المنهاج النبوي، ومصداق ذلك ما ورد عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ: [الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ] [3] .

-ومن فوائد هذا الحديث: أن الابتلاء سنة في حياة المسلم، وفي حياة الدعاة على الأخص، قال تعالى: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا

(1) رواه البخاري ومسلم.

(2) السيرة لابن هشام.

(3) رواه ابن ماجة والترمذي والدارمي وأحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت