وكانت تصرفاته استجابة لهذه الخفايا التي كانت تدبر، ولم تكن مكشوفة إلا للقلة، وكل ما نسب إلى السلطان عبد الحميد من اتهام بالرجعية أو الجمود أو العنف، إزاء الاتحاديين أو الدستور أو الحريات، إنما كان ينطلق من فهمه لأبعاد المؤامرة التي كان يدبرها الاتحاديون الأتراك مع اليهود الدونمة والقوى الخارجية، وإفساح المجال أمام تحقيق مؤامراتهم، بعد أن تبين لهم رفضه الصريح للعروض اليهودية التي قدمها له هرتزل وعدد آخر من اليهود - على ما فيها من إغراء - مادي لدولة مدينة في ذلك الوقت، وقد ظلت هذه الحقائق غامضة، حتى تكشفت من بعد أسرار الماسونية ومخطط الصهيونية.
دهاء السلطان عوض عن ضعف الدولة:
ولعل أبرز ما تميز به السلطان عبد الحميد الذي حكم من (1876 م إلى 1909 م) هو تلك البراعة والذكاء الخارقين. حتى وصفه أعداؤه قبل أنصاره بأنه أعظم داهية في عصره.
ويمكن القول أن هذا الرجل حين رأى الدولة العثمانية وقد فقدت التفوق في القوة العسكرية التي يمكن بها أن تقهر أعداءها فقد فتح الله تبارك وتعالة له بابًا من التعويض عن طريق ذلك الدهاء القوي، فاستطاع خلال هذه الفترة الطويلة من حكمه والتي بدأت فيها تلك المؤامرة الخطيرة، أن يواجه الأمر بحكمة أزعجت خصومه وأعجزتهم.
والمعروف أنه في عام 1897 م اجتمع مؤتمر بال وقرر اختيار فلسطين لإقامة الوطن القومي اليهودي، وتحدد أمر الاتصال بالسلطان والدولة العثمانية، ومن ثم بدأت المعركة الخفية بين السلطان واليهود، وخاصة بعد أن تبين لهم إصراره على عدم التسليم لهم بأي مطمع في فلسطين.
وكان السلطان عبد الحميد قبل ذلك قد أمضى عزيمته في الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، وتجميع المسلمين من خارج الدولة العثمانية تحت لواء الخلافة، لمواجهة خطر النفوذ الاستعماري الزاحف على العالم الإسلامي.