فهرس الكتاب
110 ـ حذار من جلب المحن أو الحرص عليها:
والمحن وإن كانت مما جرت به سنّة الله في ابتلاء عباده المؤمنين وفيه تمحيص لهم وتمييز بين الصادق والكاذب والخبيث والطيب كما قلنا ، وإن هذه السنّة تسري على الجماعة المسلمة ولكن حذار أن تجلب الجماعة المسلمة المحن لنفسها أي تسعى لجلبها لنفسها أو تستعجل وقوعها لها مدفوعة بالحماس لنصرة الإسلام أو مستحضرة في نفسها أن المحن والشدائد لا بدّ منها ، وانها بدون المحن تنصب عليها تُتَّهم بالضعف والقصورفي خدمة الإسلام والعوة إليه مما يفقدها رضا الناس وثقتهم بها وتأييدهم لها وإقبالهم عليها ... وهذا منها خطأ جسيم مرده الجهل بمعنى سنّة الله في الفتن والابتلاء أو طلبها السمعة والرياء أو تصورها الخاطىء لما به ثقة الناس ، وهذا ما نوضحه في الفقرات التالية .
111 ـ أولًا: استعجال المحن لجهل الجماعة المسلمة:
وأعني بهذا الجهل جهل الجماعة المسلمة بمعنى سنّة الله في الفتنة والامتحان وما يجب أن يكون عليه موقفها تجاه هذه السنّة الربانية . وبيان ذلك أن هذه السنّة تعني فيما تعنيه أن المحن والشدائد مما يلاقيه المؤمنون الداعون إلى الله ، ولكن لا تعني وجوب أو استحباب أو إباحة تقصد جلب هذه المحن وتعمد إيقاعها بالجماعة .
كما لا تعني هذه السنّة عدم جواز الحذر أو الوقاية من الفتن والمحن والشدائد لئلا تقع ولا تمنع من رفع المحنة إذا وقعت . وعلى هذا الصحيح للجماعة المسلمة من هذه السنّة الإلهية في ضوء المعنى الصحيح لها هو: لا تستغرب الجماعة المسلمة ولا تندهش إذا أصابتها المحن والشدائد ، وإنها ـ أي الجماعة ـ غير ممنوعة من الوقاية من هذه المحن لئلا تقع وإذا وقعت فعليها أن تقابلها بالصبر الجميل مع سعيها الحثيث لرفعها لأن الشرع قد أذن أو ندب لذلك أو أوجبه عليها .