فهرس الكتاب
وجاء في شرحه: قال ابن بطال: حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إيه الأمر وهو نظير سؤال العافية من الفتن ، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (لأن أُعافى فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر) . وقال غيره: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب بالنفس والاتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو ، وكل ذلك يخالف اغلاحتياط والأخذ بالحزم .
وأخرج سعيد بن منصور حديثًا مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم) ، وقال ابن دقيق العيد: لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفوس وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحققة لم يوثق أن يكون عند الوقوع كما ينبغي فيكره التمني لذلك ، ولما فيه لو وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه من الثبات عند لقاء العدو (1) .
وفي وصيته صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد وقد جعله أميرًا على جيش المسلمين لغزو الروم قبيل وفاته عليه الصلاة والسلام بأيام ، قال له: (ولا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم ، ولكن قولوا: اللهم اكفناهم واكفف بأسهم) (2) .
113 ـ الحرب خدعة:
ودليل آخر على صحة ما قلته أن الجماعة المسلمة وهي تدعو إلى الله ويقاومها أهل الباطل تصير معهم في حالة تشبه حالة الحرب . وغالبًا لا تكون قوة الجماعة مكافئة لقوة خصومها الذين يملكون قوة المال والأعوان والسلطان . ويكون هذا التباين واضحًا وجليًا إذا كان خصوم الجماعة الدولة نفسها أي حكامها ، ففي هذه الحالة يجب على الجماعة المسلمة أن تعرف وزنها وقوتها فلا تتصرف إلا بحذر وبقدر ما يأذن به الشرع وكأنها في حالة حرب فعلية مع خصومها .
(1) ـ شرح العسقلاني لصحيح البخاري ، ج6 ، ص 156 ـ 157 .
(2) ـ سيرة ابن هشام ، ج2 ، ص 33 .