فهرس الكتاب
قال تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) (1) . إن الدولة الكافرة قد تكون عادلة بمعنى أن حكامها لا يظلمون الناس والناس أنفسهم لا يتظالمون فيما بينهم ، فهذه الدولة مع كفرها تبقى ، إذ ليس من سنّته تعالى إهلاك الدولة بكفرها فقط ، ولكن إذا انضم إلى كفرها ظلم حكامها للرعية وتظالم الناس فيما بينهم ، وبهذا قال المفسرون وأهل العلم ، قال الإمام الرازي في تفسيره (إن المراد من الظلم في هذه الآية الشرك . والمعنى أن الله تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين ، إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم يعامل بعضهم بعضًًا على الصلاح ، وعدم الفساد) (2) .
وفي تفسير القرطبي قوله تعالى: (بظلم) أي بشرك وكفر (وأهلها مصلحون) أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق . ومعنى الآية: إن الله تعالى لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان وقوم لوط باللواط (3) .
137 ـ قول ابن تيمية في هلاك الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة:
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم ، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة . ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام . وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها من خلاق ـ أي في الآخرة ـ وإن لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة) (4) .
(1) ـ سورة هود ، الآية 117 .
(2) ـ تفسير الرازي ، ج18 ، ص 76 .
(3) ـ تفسير القرطبي ، ج9 ، ص 114 .
(4) ـ من رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لشيخ الإسلام ابن تيمية ، تحقيق صلاح الدين المنجد ، ص 40 .