السنن الكونية والاجتماعية في القرآن الكريم
الأستاذ الدكتور توفيق بن أحمد الغلبزوري
كلية أصول الدين- جامعة القرويين- المملكة المغربية
مقدمة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه، أما بعد:
فإن الله تعالى أقام نظام الكون، ونظام المجتمع، على سنن وقوانين ونواميس مطردة، لها صفة العموم والشمول، والثبات والدوام، والاطراد والاستمرار، فهي لا تتغير ولا تتبدل، ولا تختلف ولا تتخلف، ولا تحابي أحدا، بل الكل في ميزانها سواء.
وهذه السنن الكونية والاجتماعية، موضوع اهتمام هذا البحث؛ تفسر إلى حد كبير حركة الحضارة والاجتماع والعمران البشري، وترتكز على الفقه الاجتماعي والحضاري، هذا الفقه الذي يقوم على دراسة سنن قيام الأمم والدول والمجتمعات والحضارات وسقوطها، وتخلفها ونهوضها، وقوتها وضعفها، ورقيها وانحطاطها، ونجاحها وإخفاقها، والتي لا تتخلف نتائجها عن مقدماتها، ولا تنفك أسبابها عن مسبباتها، وعدم إدراكها تجعل الإنسان مسخرا؛ بدل أن يكون مسخرا لها.
وواقع المسلمين في العصر الحديث من التخلف الحضاري، والتدهور الاجتماعي إنما يعزى إلى جهلهم بالسنن في الآفاق وفي المجتمع، ولا سبيل إلى التقدم والرقي والنهوض واستئناف الدورة الحضارية إلا بفهمها وفقهها، وحسن التعامل معها، وإتقان تسخيرها واستثمارها، واستشراف مستقبلها.
هذا هو موضوع هذه الدراسة، والذي أقمت فيه خطة تقوم على مقدمة وأربعة مباحث:
تكلمت في المبحث الأول: عن مفهوم السنن الكونية والاجتماعية في اللغة والاصطلاح القرآني.
وفي المبحث الثاني: درست أهمية العلم بالسنن الكونية والاجتماعية وطرق استخلاصها.