فهرس الكتاب
... ونلتقي في هذا السياق بنمطين من أنماط البطولة في الشعر الجاهلي، البطولة الفردية، والبطولة الجماعية، وتتميز البطولة الفردية في أنها تعبر عن بطولة الفارس الفرد وقيمه وأخلاقه وتضحياته وما يؤرق وجدانه ومشاعره، ويمثل هذا النمط عدد من الشعراء نتوقف عند اثنين منهم: عنترة بن شداد، وعمرو بن معدي كرب، أما البطولة الجماعية فإنها تعبر عن القبيلة وتلتحم بها، وسنتوقف عند الفند الزماني وعمرو بن كلثوم بوصفهما معبرين عن هذا التلاحم مع القبيلة واقعًا، وتعبيرًا فنيًا .
عنترة بن شداد وملامح البطولة الفردية:
... وُلِدَ عنترة بن شداد لأَمَةٍ حبشية سوداء، نقلت إليه لونها وعبوديتها، فأضحى عبدًا في مجتمع يقسم أبناءه إلى طبقات، تعلوها طبقة الأحرار، وتقع في قاعها طبقة العبيد ولم يكن مصير عنترة بدعة في المجتمع الجاهلي الذي يعيش فيه، فكان أمثاله الكثيرين .
... وكان مصير العبيد في الجاهلية يتأرجح بين بعدين: الأول الاستسلام المطلق لقدرية اللون، ويقوده هذا إلى التكيف مع الواقع، مؤثرًا الإنسان الأسود العبودية على القتل، الثاني: أنْ يتمرد الإنسان على البناء الاجتماعي القاسي، فيهرب ليعيش ضمن جماعات أُطلق عليها الصعاليك، مثل: السليلك بن السلكة، وتأبط شرًا، وأضرابهما .
... ولم يؤثر عنترة سيرة العبيد الخانعين، كما أنه رفض الخروج عن الجماعة ليكون صعلوكًا، ولكنه آثر أنْ ينال حريته، وأنْ يسترد نسبه، وانْ يبني أسرة كريمة . غير انَّ عنترة ألفى نفسه أسير عائق لم يكن له يد في صنعه، وقد تولدت عن هذا العائق عوائق اجتماعية ونفسية كثيرة متعددة منها:
... عدم اعتراف أبيه به إلا بعد أن أثبت بطولة وشجاعة، وكان الاعتراف به بعد تردد كثير . ولكنه على أي حال لم يمنحه حقوقه كاملة، إذ بقى في نظر القبيلة العبد الذي تُعنى به وتهتم به وقت الحاجة إليه في الحرب .