فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 256

... أما عجز البيت فهو تركيب ينتقل من الأداء الخبري إلى أداء إنشائي، ويؤدي الاستفهام الاستنكاري ـ هنا ـ دلالة الرفض، وكأنَّ البيت الشعري فيه استسلام في أوله، ومحاولة للخروج في آخره، كما أنَّ التركيب يختلف، إذ ينتقل الخطاب من صيغة الجماعة إلى الإفراد، وينتقل فيه الخطاب من إلغاء دور الشاعر الذي كان مجرد وصف في الانتساب إلى الآخر » مالكم، وعبدكم « إلى التعبير عن الذات » عني «، وكأنَّ الصدر يلغي تمامًا وجود الشاعر ويحضر فيه الآخرون ،وحين يرد الشاعر فإنه لا يعدو أن يكون مجرد شيء » مال، أو عبد «، ولكن الصورة تختلف في العجز، إذ يصبح الحديث عن الإنسان » فالعذاب، وعني، ومصروف « تنبئ عن وجود إنساني، يرفض أو يتمرد ويحاول الانتقال إلى التعبير عن ذاته .

بقي أمر مفاده أنَّ الصدر يشتمل على قدر من التقطيع الصوتي ويرافقه تنغيم في جملتيه المتوازنتين توازنًا يكاد أنْ يكون تامًا » والمال مالكم، العبد عبدكم « أما العجز فتكثر فيه حروف المد » عذاب، وعني، ومصروف « فضلا عن أنَّ العجز ليس فيه تقطيع ولا تنغيم، كما هو الحال في الصدر، وكأنَّ هذا الاختلاف في التركيب الصوتي يسهم هو الآخر في الكشف عن دلالات الشطرين المختلفين .

وقد عبر عنترة بن شداد عن مشكلة اللون الأسود بصراحة، وألح عليها في شعره وتحدث عنها بمرارة مفجعة، لأنَّ اللون قد أرَّقَ الشاعر، وأقضَّ عليه مضجعه، ويرجع هذا لسببين: أحدهما: نسب الشاعر والتحاقه بأبيه، لأنَّ السواد من هذه الناحية يمنع العربي من نسبة ولده إليه، وثانيهما: القيمة الاجتماعية التي تقلل من أهمية السود ومن قيمتهم، فهم عبيد، ولابد أن يعيشوا في قاع المجتمع .

... وكان عنترة يحمل في أعماقه، وتحت هذه القشرة السوداء، نفسًا أبية كريمة وتشتمل على طموحات هائلة، وكان يدرك أنه يستحيل عليه تغيير لونه، » وما لسواد جلدي من دواء «، ولكنه حاول أن يغير من انتسابه وتغيير نظرة المجتمع إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت