فهرس الكتاب
يضر الشاعر ان يعيره أعداؤه بسواد لونه، ولكن ما يضره أكثر أن يعيره قومه بذلك، ويظلمونه ببغيهم وقلة إنصافهم له، على الرغم من أنه فارسهم، وواحد منهم
يقول:
أُذَكِّرُ قومي ظلمَهُمْ لِي وبغيَهُم
وقِلةَ إنصافي على القُربِ والبُعدِ
بَنيتُ لهم بالسيفِ مَجْدًا مُشيَّدًا
فلمَا تَناهى مجدُهُم هَدموا مَجدي
يَعيبونَ لَوني بالسَّواد وإنما
فِعالُهم بالخُبثِ أَسودُ من جِلْدي (1)
... ويعي عنترة بن شداد أنه يعيش حالتين في قومه، حالة السلم الذي لا يعدو انْ يكون فيه سوى عبد يقلل قومه من شأنه، وينادونه باسم أمه زبيبة تحقيرًا وتقليلًا من أهميته، أما في حالة الحرب فانه تعلو قيمته وأهميته، يقول:
يُنادونني في السِّلمِ يا بنَ زَبيبَةٍ
وَعِندَ صِدامِ الخَيْلِ يا بن الأطَايبِ
وَلَولا الهَوى مَا ذلَّ مِثلي لِمثلِهم
ولا خضَعَتْ أُسْدُ الفَلا للثَعَالبِ
سيذكُرُني قَوْمِي إذا الخَيْل أَصبحَتْ
تَجُولُ بِها الفُرسانُ بَينَ المَضَاربِ
فإنْ هُمْ نَسَوْني فالصَّوارمُ والقَنَا
تُذَكّرهُمْ فِعلي وَوَقْعَ مَضَاربي (2)
ولعل أقسى أنواع الظلم والمعاناة تلك التي تصدر عن ابنة عمه التي يحبها، عبلة، حين يقول:
أَلا يا عَبلُ قد زادَ التَّصابي
وَلَجَّ اليومَ قومُكِ في عَذابي
وظلَّ هَواكِ يَنمو كُلَّ يَومٍ
كَمَا يَنمو مَشِيبي في شَبَابي (3)
وقوله:
إلى كَمْ أُدارِي مَنْ تُريدُ مَذلَّتي
وأَبذُلُ جهدي في رِضَاها وتَغضَبُ
عُبيلةُ أَيامُ الجمَالِ قَليلةٌ
لَهَا دَولةٌ مَعلومةٌ ثَمُّ تَذْهَبُ (4)
... ويبدو أنَّ عبلة كانت تقلل من قيمة عنترة بسبب لونه، ويتجلى ذلك في مرارة التعرض لذلك، ويتمنى أن ترضى عبلة عن أمر لا يستطيع عنترة أن يغيره، يقول:
لعلَّ عَبلةَ تُضحي وهي راضية
على سَوَادي وتَمحُو سَوْرةَ الغضبِ (5)
(1) ـ نفسه، ص 20 .
(2) ـ نفسه، ص 32 .الصوارم: السيوف، القنا: الرماح .
(3) ـ نفسه، ص 19 .
(4) ـ نفسه، ص 20 .
(5) ـ نفسه، ص 30 .