فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 256

... إذ يؤكد في هذه القصيدة أنَّ قيمة الإنسان لا تتحدد بشكله الخارجي، فالجمال ليس رداء يرتديه، أو مئزرًا يغطي به جسده، وإنما الجمال قيمٌ قارةٌ في الإنسان، وهو بهذا يماثل عنترة الذي جعل قيمة الإنسان بما يشتمل عليه وجدانه وعالمه الداخلي، غير أنَّ مفارقة واضحة بين الشاعرين تكمن في أنَّ عنترة كان يعاني من عقدة النقص بسبب اللون التي دفعته إلى الإشارة إليها مرات عديدة، ولم تكن تلك قضية تؤرق وجدان عمرو بن معدي كرب، على الرغم من تماثلهما في تحديد قيمة الإنسان بالنتيجة .

... وحين نتوقف عند قصيدة عمرو بن معدي كرب نلاحظ أنها لا تبدأ بالوقوف على الأطلال، تلك السمة التي حاول بعض الباحثين أن يجعلها سنة، لا بد للشاعر من طرقها والبدء بها، كما أنه ليس هناك غزل بحبيبة، أو وصف لناقة . وليس في إمكاننا في الحقيقة تصنيف هذه القصيدة في أحد الأغراض الشعرية، لأنَّ تصنيف القصائد وفق الأغراض الشعرية جاء متأخرًا، ففي هذه القصيدة موقف من الإنسان وتحديد قيمته وماهية جماله، وفي القصيدة أيضًا قيم وأخلاق فريدة يتحلى بها الفارس العربي من حيث جرأته وقوته وإباؤه، واستعداده للصراع والقتال من أجل هذه القيم، ومن أجل القبيلة أيضًا، وفي القصيدة كذلك معركة دارت بين طرفين يخسر فيها الطرفان المتحاربان، ينتصر فيها عمرو، ولكنه يخسر أخًا له، ويدفنه بشجاعة الفارس، ومن ثم يؤكد توحده وتفرده تمامًا كالسيف .

... ومن الجدير بالإشارة أنَّ عمرو بن معدي كرب قد عبر بقصيدته هذه بضمير المفرد، فالقصيدة نفثة وجدانية لشاعر فارس فرد، وحين يتكلم عن الآخر، عدوًا، أو أخًا، أو فتاة، إنما يتحدث عنه من خلال هذه الأنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت