فهرس الكتاب
... وتفتقر معلقة عمرو بن كلثوم إلى وحدة عضوية تتراص فيها أبياتها الشعرية كتلك التي نجدها في معلقة امرئ القيس، أو تلك التي تجدها في قصيدة عمرو بن معدي كرب » ليس الجمال بمئزر ويطغى صوت البيت الشعري على القصيدة، ويمكن تقديم الأبيات وتأخيرها على غير ترتيب دون أن يخل ذلك في بناء القصيدة، كما أنَّ القصيدة تفتقر إلى التعبير الفني المشحون بالصور الشعرية، تشبيهية واستعارية، لأن القصيدة نشيد جماعي يراد منه التعبير بالتقريرية والخطابية .
... وتتكئ معلقة عمرو بن كلثوم على إيقاع صاخب يحاكي روح المعركة من ناحية، ويؤدي أدوار النشيد الجماعي من ناحية أخرى، ويتجلى ذلك من خلال ظاهرة التكرار المتفشية في القصيدة، ويمكن دراسة التكرار من خلال الأبعاد التالية:
تكرار الحرف:
ولا نريد التوقف عند كل الحروف التي كثر تكرارها، ولكننا نتوقف عند حرف
» النون « الذي تعتمده القصيدة حرف روي لها، وهو يؤدي وظيفة جماعية، لأنه يعبر عن الجماعة غالبًا، وأمثلة ذلك كثيرة ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
أبا هِندٍ فلا تَعجَلْ علينا
وأنظِرنا نُخَبِّرْكَ اليقينا
بأنَّا نُورِدُ الرَّاياتِ بِيضًا
ونُصدِرُهُنَّ حُمرًا قد رَوِيننا (1)
وَأَيامٍ لنا غرٍّ طِوالٍ
عَصينا المُلْكَ فيها أنْ نَدِينا (2)
وَأَنزلنا البُيُوتَ بذي طُلُوحٍ
إلى الشاماتِ تَنفي الموعدينا
وَقَد هَرَّتْ كِلابُ الحيِّ مِنَّا
وشذَّبنا قَتادةَ من يَلينا (3)
متى ننقُل إلى قومٍ رَحانا
يِكونوا في اللقاءِ لِها طَحينا
نزلتم مَنزلَ الأَضيافِ مِنَّا
فأعجَلْنا القِرى أنْ تَشتمونا
قَريناكُمْ فعجَّلنا قِراكم
قُبيلَ الصُبحِ مِرداةً طَحُونا (4)
(1) ـ الراية: العلم .
(2) ـ الأيام: الوقائع، الغر: المشاهير، كالخيل الغر لاشتهارها .
(3) ـ القتاد: شجرذوشوك، والواحدة منها قتادة، التشذيب: نفي الشوك.
(4) ـ المرداة: الصخرة التي يكسر بها الصخور، الطحون: الطحن .