فهرس الكتاب
إنَّ نمطا جديدا من المثالية يتبدى في قصيدة الصعلوك، عون للضعيف وفتك بالخصوم والأعداء، وصبر وجلد مع النفس، إذ يصبر الصعلوك على الجوع، ويؤثر غيره على نفسه، ويخشى أن يعيش بذلة، لأن الموت خير من حياة تكتنفها المذلة، يقول عروة بن الورد:
وَإني لأُثوي الجُوع حَتى يَمَلَّني
فَيذهبَ لَم يَدْنسْ ثِيابي وَلا جِرمِي (1)
وَأَغتَبقُ المَاءَ القَرَاحَ فأنتهي
إذا الزَّادُ أَمسَى لِلمُزلَّجِ ذا طَعْمِ (2)
أَرُدُّ شُجَاعَ البَطنِ قَدْ تَعْلَمينَهُ
وأُوثِرُ غَيري من عِيالِكِ بالطُّعمِ (3)
مَخَافَةَ أَنْ أَحيَا بِرَغمٍ وَذِلَّةٍ
وَللمَوتُ خَيرُ مِنْ حَيَاةٍ على رَغْمِ
... إنَّ ما يدعو إليه الصعلوك في اختيار أحد أمرين الحياة الكريمة أو الموت، هو الأمر الذي أكده البير كامو في أثناء حديثه عن خصائص التمرد عند الإنسان، لأن المتمرد يريد » أن يحيا، ويعترف به في شخصه، انه يريد أن يكون هذا، أو أن يكون لا شيء، أي أن تحرمه القوة المتحكمة به حرمانا نهائيا. وهو في النهاية، يرضى بالحرمان والسقوط الأخير، ونعني الموت ... إنه يؤثر أن يموت عزيزًا رافع الرأس على أن يعيش عيشة الهوان« (4) .
(1) ـ أثوي: أطيل حبسه، جرمي: جسمي .
(2) ـ أغتبق: أشرب عشاء، القراح: الصافي، المزلج: البخيل .
(3) ـ شجاع البطن: شدة الجوع .
(4) ـ ... البير كامو، الإنسان المتمرد، ص 20 .