فهرس الكتاب
تَراهُ خَمِيصَ البَطنِ والزَّادُ حَاضرٌ
عَتِيدٌ وَيَغْدو في القَميصِ المُقَدَّدِ
صَبَا ما صَبَا حَتَّى عَلا الشَيْبُ رَأْسَهُ
فَلَمَّا عَلاهُ قَالَ لِلباطِلِ ابْعَدِ
وَطَيَّبَ نَفسِي أَنّني لم أّقلْ لَهُ
كَذِبْتَ ولمْ أبخلْ بما مَلَكَتْ يَدِي
وَهَوَّن وَجْدِي إِنما هو فَارِطٌ
أَمَامي وأَنَّي هامةُ اليوم أو غدِ
... وكان أعشى باهلة قد رثى أخاه لأمه المنتشر بن وهب، وبعد أن فرغ من وصف شجاعته وكرمه، انتقل إلى أثر وقع موته عليه، يقول أعشى باهلة: (1)
عِشنَا بِذلكَ دَهْرًا ثُمَّ فَارَقَنَا
كَذلكَ الرُّمْحُ ذو النَصلينِ يَنكَسِرُ (2)
فَإنْ جَزَعْنَا فقد هَدَّتْ مُصيبتُنَا
وإنْ صَبَرنَا فإنا مَعْشَرٌ صُبُرُ
... وإذا كان الشعراء قد رثوا إخوانهم وأصدقاءهم، فإن رثاء النفس يعد واحدًا من الموضوعات الجديرة بالتأمل، فلقد رثا الممزق العبدي نفسه بأبيات، يذم فيها الدنيا ويأسف على حياته ونفسه، وما الذي يفعله فيه أهله وإخوانه في تغسيله وتكفينه، ومن ثم دفنه:
هَلْ لِلفَتَى من بَنَاتِ الدَّهرِ من وَاقِ
أَمْ هلْ لهُ من حِمامِ الموتِ من رَاقِ (3)
قَد رَجَّلُوني وما رُجِّلتُ من شَعَثٍ
وأَلبَسُوني ثِيابًا غيرَ أَخلاقِ (4)
وَرَفعوني وقالوا أَيُّما رَجُلٍ
وأدْرجُوني كأني طَيُّ مِخراقِ (5)
وأَرسلوا فِتيةً من خَيرهم حَسَبًا
ليُسندوا في ضَريحِ التُربِ أََطَباقي (6)
هَوَّنْ عليكَ ولا تَوْلَعْ بإشفاقِ
فإنما مالُنا للوارثِ الباقي (7)
كأنني قد رَماني الدَّهرُ عن عُرُضٍ
(1) ـ ... الأصمعي، الأصمعيات، ص 91 .
(2) ـ النصل: السنان .
(3) ـ بنات الدهر:أحداثه ومصائبه، الحمام: قضاء الموت .
(4) ـ الترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه، الشعث: تفرق الشعر وانتفاشه، الأخلاق: الممزقة.
(5) ـ عني بطي مخراق: العمامة التي يلهو بها الصبيان ثم يضرب بها بعضهم بعضا .
(6) ـ الأطباق: المفاصل .
(7) ـ ولع بالشيء: لزمه، الاشفاق: الخوف .