فهرس الكتاب
... ولست في سياق التفصيل في أثناء التطبيق للصورة التشبيهية والاستعارية، وإن كان لا بد من التعرض لهما، فالصورة التشبيهية بطبيعتها تنطوي على عقد مقارنة بين أشياء وعلاقات تنتمي جلها إلى العالم الظاهري (1) ، ويجمع بين هذه الأشياء والعلاقات أشكال متعددة من المماثلة والمشابهة، وتهدف الصورة التشببيهية إلى تمكين المتلقي من الدلالة، كما أنَّها تشتمل على مؤثرات جمالية ووجدانية في الوقت ذاته، ففي الآية القرآنية الكريمة » مَثَلُ الذينَ كَفَرُوا بِرِبِّهِم أَعمَالُهُم كَرَمادٍ اشتَدَّت بِهِ الرّيحُ في يَومٍ عَاصِف « (2) يشبه الله سبحانه وتعالى أعمال الكافرين بالرماد الذي اشتدت به الريح في يوم عاصف، والملاحظ أنَّ أعمال الكافرين لا تقع عليها الحاسة الإنسانية وقد شبهه الله جل قدرته بالرماد، وهو ما تقع عليه الحاسة البصرية بخاصة، لتجتمع في الصورة كما يقول أبو الحسن الرماني حالة » الهلاك وعدم الانتفاع والعجز عن الاستدراك لما فات، وفي ذلك الحسرة العظيمة والموعظة البليغة « (3) .
... إنَّ الصورة التشبيهية تشتمل على هذا الضياع الذي حدده التشبيه بهذه الصورة البصرية التي تتضمن بعدًا سمعيًا، فاشتداد الريح وعصفها ينطوي على أبعاد صوتية سمعية، كما أنَّ الرماد وانتثاره وعصف الريح به يمثل في الوقت ذاته صورة بصرية، على انَّ هذا لا ينفصل عن التأثير الوجداني بالمتلقي، من حيث المماثلة بين أعمال الكافرين ولون الرماد وتفاهته وعدم الإنتفاع به، بل وتناثره في الهواء العاصف، فالصورة مؤثرة بطريقة تركيبها وبطاقتها التعبيرية والموسيقية.
(1) ـ 'Metaphor ,p135 The semantic Of Leven ,Samuel ;
(2) ـ سورة ابراهيم، آية:18 .
(3) ـ علي بن عيسى الرماني، النكت في إعجاز القرآن، ص 76 .