فهرس الكتاب
قضية التعددية السياسية من افرازات الديمقراطية وهي من المسائل التي نختم فيها الجدال، ويثور حولها لإي أيامنا هذه نقاش كثيف. والجمهرة الغالبة من الإسلاميين المعاصرين [1] ومفكريهم يرون أن التعدد أمر واقع إذ أن الله عز وجل قد خلق الناس مختلفين. وهذا الاختلاف الفطري يفضي ضرورة إلى الاختلاف في النظر، والتباين في التقدير والتفاوت في التفكير ولم يحدث في التاريخ الإنستني كله أن انصب الناس كلهم في قوالب فكرية حديدة محكمة لا يستطيعون معها قبضًا ولا بسطًا. بل إن محاولة صب الناس في قوالب جامدة محددة - ولو بقوة السلطة والسطوة والحديد والنار- محاولة ثبت فشلها عبر التاريخ. ولقد اثبتت التجارب البشرية أن الحرية من القيم العليا التي يسعى الإنسان لكسبها وقد يكلفه ذلك السعي دمه وماله وعرضه. وما حدثفي الاتحاد السوفيتي والمجر وتشيكوسلوفاكيا، ورومانيا وغيرها من البلاد خير شاهد على ما نقول وحيثما كانت الحرية كان التعدد والتعدد بضوابطه واسبابه وأساليبه أمر محمود غير مذموم بالإضافة إلى أنه أمر فطري واقع لا محالة. والتعددية الفكرية السياسية قد تعني تعدد الأحزاب في الإطار الإسلاميالجامع إذ لا يوجد مانع شرعي من وجود أكثر من حزب سياسي داخل الدولة الإسلامية، إذ المنع الشرعي يحتاج إلى نص ولا نص، بل هذا التعدد قد يكون ضرورة في هذا العصر، لأنهصمام أمان من استبداد فرد أو فئة معينة بالحكم وتسلطها على سائر الناس، وتحكمها في رقاب الآخرين وفقدان أي قوة تستطيع أن تقول لها: لا أو: لم كما دل على ذلك قراءة التاريخ، واستقراء الواقع وهو ما توجه إليه كثير من المعاصرين حتى قال بعضهم: [في العالم العربي المعاصر، نلاحظ شبه اجماع الأن على القبول بفكرة التعددية الممثلة في الأحزاب السياسية حتى نذهب إلى أنه ليس بين الفقهاء أو المفكرين الذين يعتد بهم من عارض فكرة أو صيغة التعددية السياسية في المجتمع الإسلامي] [2] . ثم ذهب بعد يعدد جملة منهم من عهد الشيخ محمد عبده إلى الشيخ محمد الغزالي. هذا ولقد عرف تاريخنا الإسلامي الطويل الممتد التعدد لأنه عرف الحرية ومارسها وأبى أن يستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا [3] . اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من الأمور الإجتهادية واختلف من جاء بعدهم ولم يزعم أحد أن الاختلاف ممنوع أو حرام. اختلف أصحاب المقالات والفرق من خوارج وشيعة ومعتزلة وغيرهم فسمى أبو الحسن كتابه المصنف فيهم (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) فما خلع عنهم ربقة إسلام، ولا رماهم بآبدة كفر بل سماهم الإسلامييم والمصلين. وكان أصحاب تلك الفرق والمقالات أحزابًا لها أفكارها وأنصارها وأصولها التي تدعو إليها وتبشر بها. ثم كانت المذاهب الفقهية من بعد بشيوخها وتلاميذها وأصولها ومناهجها اندثر بعضها كمذهب الأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبي جعفر الطبري، وبقي بعضها إلى يوم الناس هذا ممثلًا في المذاهب السنية الأربعة والمذهب الجعفري الشيعي والمذهب الزيدي والمذهب الأباضي وبعض المذاهب الأخرى التي نعرض عن ذكرها لشذوذها.
(1) انظر د/ صلاح الدين الصاوي في كتابه (التعددية السياسية في الدولة المسلمة) دار الإعلام الدولي - مدينة نصر - القاهرة الطبعة الأولى 1992.
(2) الإسلام والديمقراصية 76.
(3) الكلمة الشريفة الحرة التي حفظتها ذاكرة التاريخ للخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.