فهرس الكتاب
…والباعث له على كتابتها رسالة كتبها إليه صديقه علامة الشام الشيخ محمد بهجة البيطار؛ فذكَّرَتْه تلك الرسالة ما كان بينهما من ودٍّ صافٍ، وذكَّرته أيامه الجميلة التي قضاها في دمشق، وما كان في تلك الأيام من مسامرات علمية، ومطارحات أدبية، وتذكَّر أصحابه هناك، فكتب هذه المقالة الرائعة التي تُبيْنُ عن وفائه وحنينه لأصحابه هناك، وتكشف عن علاقته بالشيخ البيطار، وعن مدى ما يُكِنُّه لدمشق وأهلها إلى غير ذلك مما ستجده في ثنايا تلك المقالة؛ فإليك المقالة بنصها:
(( من نفحات الشرق: الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار ) )
علم من أعلام الإسلام، وإمام من أئمة السلفية الحقّة، دقيق الفهم لأسرار الكتاب والسنة، واسع الاطّلاع على آراء المفسّرين والمحدثين، سديد البحث في تلك الآراء، أصوليّ النزعة في الموازنة والترجيح بينها، ثم له
-بعدُ - رأيه الخاص.
يوافق ما يوافق عن دليل، ويخالف ما يخالف إلى صواب؛ لأنه مستكمل للأدوات المؤهلة لذلك، ولأنه يفهم القرآن على أنه أصل ترجع إليه الآراء والمذاهب والفهوم، وأنه كتاب الكون، ودستور الإنسانية، لا كما يفهمه كثير ممن كتبوا في التفسير؛ فجرّدوا أقلامهم لتسطير أفهام غيرهم، وجرّدوا القرآن من خصائصه العليا، وقيّدوا هدايته العامة بمذاهبهم الخاصّة.
والأستاذ البيطار مجموعة فضائل، ما شئت أن تراه في عالم مسلم من خُلُق فاضل إلا رأيته فيه، مجاوز للحدود المذهبية والإقليمية، يزِن هذه المذاهب الشائعة بآثارها في الأمة، لا بأقدار الأئمة، ويعطي كُلاًّ ما يستحق، جريء على قولة الحق في العلميات، ولكن الجرأة منه يلطفها الوقار، والوقار فيه تُزَيِّنه الجرأة، فيأتي من ذلك مزاجٌ خُلقي لطيف، متساوي الأجزاء، مزدحم الخلايا، قلَّ أن تجده في أحد من علمائنا المعدودين.