فهرس الكتاب
ولا أكذب الله، فأنا قرير العين بأعمالي العلمية بهذا الوطن ( الجزائر ) ، ولكن … من لي فيه بصدر رحب، وصحب كأولئك الصحب؟
إن نسيت فلن أنسى ساعات كنت قضيتها في مكتبة آل القاسمي ممتعًا عيني وذهني في مخطوطات جمال الدين، ومسودات مباحثه في التفسير والحديث، وفي ذلك المخطوط الحافل الذي ما رأت عيني مثله في موضوعه، وهو كتاب (( بدائع الغرف، في الصنائع والحِرف ) )لجدّه الشيخ محمد سعيد الحلاّق، أرّخ فيه لصناعات دمشق الجليلة التي أخنى الزمان على أكثرها، وجلا فيه صفحات من مجدها الصناعي البائد.
ويا رعى الله عهد دمشق الفيحاء وجادتها الهوامع (1) وسقت، وأفرغت فيها ما وسقت. (2)
وخصّت بالمثقلات الدوالح (3) مجامع الأحباب، وأندية الأصحاب، من الصالحية والجسر والنَّيربين (4) المزة والربوة.
فكم كانت لنا فيها من مجالس، نتناقل فيها الأدب، ونتجاذب أطراف الأحاديث العلمية، على ودِّ أصفى من بردى تصفق بالرحيق السلسل، (5) ووفاء أثبت من أواسي قاسيون، وأرسى من ثهلان ذي الهضبات.
لا توبَن في مجالسنا حرمة، ولا يُكلم عرض، ولا يقارف مأثم.
وإنما هو الأدب، بلا جدب، نهصر أفنانه؛ والعلم، بلا ظلم، نطلق عنانه، والفن بلا ضن نروّق دنانه، والنادرة بلا بادرة نتلقفها، والنكتة بلا سكتة نتخطفها.
(1) - الهوامع: السحب الممطرة.
(2) - ما وسقت: أي ما جمعت من ماء.
(3) - الدوالح: جمع دلوح ودلوحة، وهي السحابة المثقلة بالماء.
(4) - النَّيربان: هما جانبا دمشق الشمالي والجنوبي حول نهر بردى.
(5) - قوله: على ود أصفى من بردى تصفق بالرحيق السلسل ، هذا تضمين لبيت حسان بن ثابت - رضي الله عنه - وهو ضمن قصيدته التي تسمى البتارة، التي مدح بها آل جفنة من الغساسنة، والتي مطلعها:
اسألتَ رسم الدار أم لم تسألِ
إلى أن يقول
يَسقُون مَنْ وَرَدَ البريص عليهم
بين الجوابي فالبضيع فَحوقلِ
بردى يصفِّق بالرحيق السلسل