فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 61

وكان العرب حين نزول القرآن كأنما شدوا بأمراس كتان الى صم جندل ، فهم يسمعون القرآن ويعجبون به ، ويكادون يسجدون لفصاحته ، ويوقنون -يقين العارف الخبير- أنه ليس من قول البشر [1] ، لقد كان الذوق العربي السليم يساعد أصحابه على إدراك الأساليب القرآنية في مخاطباته ، وكانت قدسية القرآن وعظمته مسيطرة على نفوسهم ، وكان الإقرار بالعجز عن الارتفاع إلى مستواه كامنا في النفوس . ومضى القرن الأول ، وتبعه القرن الثاني ، والعلماء لا يمسون نواحي إعجاز القرآن إلا مسا خفيفا، فلما كان القرن الثالث ، وبدأت السليقة العربية تفقد صفاءها ، وبدأت الثقافات المختلفة ، والفلسفات الهندية ، والفارسية ، واليونانية ، تتسلل إلى المجتمع الاسلامي ، اتسعت الخلافات المذهبية ، وتعددت النحل ، وتفرقت الأهواء والسبل ، واحتدمت المعارك ، وقويت الخصومة ، وعنف الجدل حول الآراء الكلامية ، وكان إعجاز القرآن أحد الميادين الكثيرة التي تبارت فيها الفحول ، وتصاولت في رحابها الوسيعة القروم ، وبدأ الحديث عن سبب عجز العرب عن الإتيان بمثل أقصر سورة من سور القرآن ، فبرز قول غريب في البصرة التي كانت تموج بالتيارات الفكرية المختلفة ، مفاده: أن إعجاز القرآن ليس لشيء ذاتي فيه ، وإنما هو لصرف الله تفكير العرب عن معارضته ، وهو القول الذي تبناه فيما بعد: ابراهيم بن سيار النظام ، أحد شيوخ المعتزلة في البصرة ، وعرف هذا القول فيما بعد بالصرفة ، عند ذلك عكف العلماء على دراسة كتاب الله بصورة علمية منظمة لاستجلاء مواطن الجمال في تعبيره الفني ، والأسرار البلاغية في بيانه المعجز [2] ،

(1) - انظر مقال: مذهب الصرفة ، مجلة الأزهر الشريف ، مجلد / 21، 1369هـ ، د. علي محمد حسن العماري ص/41 .

(2) - د. نعيم الحمصي: فكرة إعجاز القرآن ، ص 98 ،..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت