فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 413

لو كان الاستعمار الصهيوني استعمارًا استيطانيًا وحسب، لاكتفى باقتحام الأرض ولكنه استعمار استيطاني إحلالي، ولذا لم يكن هناك مفر من البحث عن أداة أخرى لتحقيق الإحلال، وقد وجد الصهاينة ضالتهم المنشودة في مفهوم اقتحام العمل. وفي إحدى مؤتمرات العامل الفتي، أكد جوزيف واتكين أن اقتحام الأرض واقتحام العمل صنوان لا يفترقان، يكمل الواحد منهما الآخر. وكلا المفهومين يعود في الأصل الى المفكر الصهيوني العمالي الحلولي يهودا جوردون (1830 ـ 1892) الذي كان يرى أن اليهودي في الدياسبورا يقوم بأعمال كتابية وحسابية ومالية، ولذا فهو يحيا حياة مشوّهة ينقصها الانفعال والإبداع، كما أنه لا يتمتع بأية سيادة ولا مشاركة في صنع القرارات التي تؤثر في حياته. ولذا، يجب على اليهودي أن يعود للأرض لا ليملكها فحسب وإنما ليشتغل فيها بالأعمال اليدوية الشاقة ويقهرها حتى يصبح هو نفسه محتلًا من قبل العمل اليدوي. والعمل اليدوي هو إحدى وسائل الرجوع الى عالم الطهارة والحواس والطبيعة ووسيلة الاتحاد الصوفي بها. ولذا يجب أن يعمل العامل اليهودي من أجل العمل ذاته، وهو بهذا سيطبّع نفسه ويتخلص من هامشيته وطفيليته ويحل إشكالية الهرم الطبقي اليهودي المقلوب إذ يصبح هناك عمال وفلاحون (الى جانب الحرفيين والمثقفين الذين يشكلون غالبية اليهود) . ومن ثم يكتمل تكوين الشعب اليهودي، كما أنه سيحل إشكالية العجز وانعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة إذ أن هذا الشعب اليهودي الذي اقتحم العمل وأكمل تكوينه الطبقي يمكنه أن يؤسس دولة ذات سيادة يمارس اليهود من خلالها صنع القرار ويتحكمون في مصيرهم، أي أن الصهيوني الذي يقتحم (العمل) لا يحرر نفسه وحسب من أردان المنفى، وإنما يحرروا الأرض ايضًا من العرب الذي يمتلكونها ويعملون فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت