فهرس الكتاب
وهذا القول هو الذي رجحه العلائي كما أشار له الحافظ فقد قال في جامع التحصيل بعد ذكره لأقوال أهل العلم والاستدلال لها ومناقشتها بما لا مزيد عليه:
وأما القول المختار وهو أن من عرف من عادته أنه لا يرسل إلا عن عدل موثوق به مشهور بذلك فمرسله مقبول، ومن لم يكن عادته ذلك فلا يقبل مرسله، وهذا القول والذي قبله [1] أعدل المذاهب وبه يحصل الجمع بين الأدلة المتقدمة من الطرفين، فإن قبول الصدر الأول لكثير من المراسيل لا يمكن إنكاره، وقد صدر من جماعة منهم كثيرين رد لكثير من المراسيل أيضًا، فيحمل قبولهم عند الثقة بمن أرسل منهم أنه لا يرسل إلا عن عدل موثوق به، وردهم عند عدم ذلك، وإلى هذا أشار ابن عباس رضي الله عنهما بقوله المتقدم: كنا إذا سمعنا أحدا يقول قال رسول الله ? أبتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف. وقول ابن سيرين: لقد أتى على الناس زمان وما يسأل عن إسناده حديث فلما وقعت الفتنة سئل عن الإسناد. وهذا ابن عمر رضي الله عنه كان يسأل سعيد بن المسيب عن قضايا أبيه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ثم يرجع إليه فيها وهي مرسلة، لما وثق به وبمن يرسل عنه، ولذلك كان يقول كثيرا: سلوا سعيد بن المسيب فإنه قد جالس الصالحين، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: كان سعيد بن المسيب يسمى راوية عمر رضي الله عنه لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته. وقد تقدم أن الشافعي رحمه الله استثنى مراسيل ابن المسيب من بقية المراسيل فجعلها مقبولة، وأن جماعة من الأصحاب عللوا ذلك بأنه كان لا يرسل إلا عن ثقة، ومقتضى ذلك أن من كان مثله فمراسيله أيضا مقبولة، إلا أن الحاكم أبا عبد الله قال هذا لا يوجد في مراسيل غيره وقد خالفه غيره، وقال ابن عبد البر: مراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح، وقالوا مراسيل عطاء والحسن لا يحتج بهما لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد، وكذلك مراسيل أبي العالية وأبي قلابة، وهذا يقتضي أن جمهور أئمة الحديث فرقوا بين من لا يرسل إلا عن ثقة وبين غيره، والظاهر أن المراد بالثقة من كان ثقة عنده وعند غيره أيضًا، بحيث يكون معروفًا بالضبط والعدالة إن كان تابعيًا أو هو من الصحابة المعروفين [2] ا. هـ
وأما المسألة الثانية: وهي الكلام على مراسيل ابن عيينة وهل هي مما يحتج به عند أهل العلم؟
(1) هو ما ذكره قبل ما نقلته ونصه: وأما على التفصيل الذي ذكره الإمام الشافعي رحمه الله فمأخذه أن مدار قبول خبر الواحد على ظهور الثقة في الظن الغالب والمرسل بمجرده لا يحصل ذلك كما تقرر فيما قبل فإذا اقترن به أحد الأسباب التي ذكرناها فيما مضى حصل عليه الظن حينئذ وفي الحقيقة إنما حصل ذلك بالمجموع لا بالمرسل بمجرده وقد سبق ما أورده المعترض على هذه الطريقة والجواب عن ذلك بما فيه الكفاية وبالله التوفيق ا. هـ
(2) جامع التحصيل (1/ 86 - 87) ط2 عالم الكتب - بيروت.