العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير
غازي بن سالم بن صالح
دبي
سالم بن بخيت البخيت
1-القرآن عاصم من كيد الشيطان. 2- القرآن شفاء وهدى للمؤمنين. 3- فضل سورة الفاتحة. 4- تفسير سورة الفاتحة.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها المؤمنون، لقد تقدم معنا الحديث عن كيد الشيطان للإنس والجان، وبيان شدة حرصه على إضلال أكبر قدر من المكلفين ليدخلوا النار عياذًا بالله، ومع ذلك فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أن من اعتصم بالله من شر الشيطان فإن الله عاصمه، وما شأنه إلا كما قال الله تعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء:76] .
أيها المسلم، لقد أنزل الله القرآن، وجعله عاصمًا لك من كيد الشيطان، فبنوره تتبدّد ظلمات الشياطين، وبهداه تجانب سبل الغاوين، وتلاوته تصرف عنك الشرور، جعله الله هدى ورحمة وشفاء للمؤمنين، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57] ، وقال الله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا [الإسراء:82] ، وقال سبحانه وتعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت:44] .
فالقرآن شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات وأمراض الشبهات، فإن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب والوعد والوعيد مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة، وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير والرهبة عن الشر ونمتا على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن أوجب ذلك تقديم مراد الله على مراد النفس، وصار ما يرضي الله أحب إلى العبد من شهوة نفسه. وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرفها الله غاية التصريف وبينها أحسن بيان مما يزيل الشبه القادحة في الحق، ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين. وإذا صح القلب من مرضه ورفل بأثواب العافية تبعته الجوارح كلها، فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده. وإذا نال المرء من قراءته للقرآن هذا الخير لم يكن للشيطان عليه سبيل.
ولذا يحرص الشيطان على صد الإنسان عن القرآن ويوهمه أن ذلك ليس بنافع له، وإذا شرع الإنسان في القرآن يسعى لصرفه عن القرآن وتعلمه، والله يقول: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:98-100] . فالقرآن كله شفاء ورحمة وهدى، فلو قرأه الإنسان وتأمل معانيه ورق له قلبه وانقادت للعمل به جوارحه نفعه ذلك، ونال مراده بإذن الله.
ومقامنا اليوم مع فاتحة الكتاب وأم القرآن، فإنها السبع المَثَاني والقرآن العظيم الذي أوتيه النبي ، وإنه لم ينزل في القرآن ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها، وهي الشافية، وهي الكافية، وهي الرقية التامة من الأدواء، وهي الصلاة، فإن الصلاة لا تصح إلا بها. روى البخاري عن أبى سعيد بن المُعَلّى أن رسول الله قال له: (( لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ) )، قال: ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: (( لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن ) )؟! قال: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، هي السبع المَثَاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ) ), وفي جامع الترمذي ومسند أحمد عن أبي هريرة قال: إن رسول الله قال لأبى بن كعب: (( أتحب أن أعلمك سورة لم تنزل في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها؟ ) )قال: (( فكيف تقرأ في الصلاة؟ ) )قال: فقرأت عليه أم القرآن، قال: قال رسول الله: (( والذي نفسي بيده، ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وإنها للسبع من المَثَاني ) ).
هذه السورة العظيمة ـ يا عباد الله ـ أوجب الله على العباد أن يقرؤوها في صلاتهم في كل يوم وليلة، وفي كل صلاة فرضًا ونفلًا، فلو فكّر الإنسان في ذلك لحرص على أن يتفقه فيها، ويتعرّف على أسرارها، ويقف على معانيها.
لقد افتتح الله تعالى هذه السورة العظيمة ببيان توحيده واختصاصه بالحمد والثناء، فهو رب العالمين، المالك المتصرف الخالق القاهر فوق عباده، الأمر أمره، والملك ملكه، ولا رادّ لحكمه، من علم ذلك وأيقن به حقًّا لزمه الإقرار بأن الله هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
وقوله سبحانه: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أي: يوم الجزاء والحساب، لا يملك أحد مع الله شيئًا، يدنيهم الله للحساب، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ، إلا من عفا الله عنه، وقد جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله: (( يطوي الله عز وجل السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ) ).
وقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أي: لا نعبد إلا إياك يا رب، ولا نستعين إلا بك، فهي كقول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] . ففي هذه الكلمة التزام العبد بتحقيق التوحيد وإفراد الله بالعبادة، فكم من المسلمين اليوم من يخالفها ويعمل بما ينقضها والله المستعان.
وختم الله السورة الكريمة بالترغيب في سلوك الصراط المستقيم، والترهيب من سلوك صراط الغاوين، والترغيب في متابعة المُنعَم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
إذا عرفت ـ أخي المسلم ـ ذلك تبيّن لك الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي قال: (( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاج ـ ثلاثًا ـ غير تمام ) )، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله يقول: (( قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال الله تعالى: أثنى على عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال: مجّدني عبدي، ـ وقال مرّة: فوّض إليّ عبدي ـ فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ) ).
فتدبر ـ أيها المسلم ـ القرآن وأنت تقرؤه، وتأمل في معانيه ينتفع قلبك به، ولا تكن عنه من الغافلين اللاهين.
أيها المؤمنون، إن قراءة القرآن بتدبر وتمعّن مع علمٍ بمعانيه وفقهٍ لدلالاته العظيمة هي القراءة التي أمرنا الله بها في قوله سبحانه: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29] ، وهذه السورة العظيمة فيها الشفاء لمن قرأها وتأمّل معانيها، وقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن ناسًا من أصحاب رسول الله كانوا في سفر، فمرّوا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم، فقالوا لهم: هل فيكم راقٍ؟ فإن سيد الحي لَدِيغ أو مُصَاب، فقال رجل منهم: نعم، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرأ الرجل، فأعطي قطيعًا من غنم، فأبى أن يقبلها، وقال: حتى أذكر ذلك للنبي ، فأتى النبي فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله، والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب، فتبسّم وقال: (( وما أدراك أنها رقية؟ ) )، ثم قال: (( خذوا منهم، واضربوا لي بسهم معكم ) ).
يقول ابن القيم:"ولقد مرّ بي وقت بمكة سقمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بها، آخذ شربة من ماء زمزم، وأقرؤها عليها مرارًا، ثم أشربه، فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع، فأنتفع بها غاية الانتفاع"اهـ.
فاجتهدوا ـ رحمكم الله ـ في تعلم القرآن وتفهم معانيه، ففيه كفاية للمؤمن عن الذهاب للسحرة والكهان، وفيه الرحمة والشفاء لأهل الإيمان.
اللهم اصرف عنا كيد الشيطان، واهدنا صراطك المستقيم، وتوفّنا مسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين...